جريمه في عماره 6 الفصل السابع عشر
جريمه في عماره 6 الفصل السابع عشر للكاتبه بيري النجار
إنتِ بتدرسي إيه؟
توقفت يدها للحظة، ثم أجابت بخجل
أنا دبلوم تجارة.
ومكملتيش؟
خفضت عينيها.
مكنش ينفع أكمل.
تدخل حسين بهدوء
ليه يا بنتي؟ ما تكملي دلوقتي.
ابتسمت ليان ابتسامة ساخرة ممزوجة بالحزن.
أكمل إيه بقى يا عمو؟ ما خلاص... هو بعدما شاب ودوه الكتاب يعني؟
ضحك حسين ضحكة خفيفة، لكنه ما إن رأى عينيها وقد امتلأتا بالدموع حتى اختفت ابتسامته.
ساد الصمت للحظات.
أما أدهم، فظل ينظر إليها.
رأى في عينيها شيئًا لم تستطع الكلمات التعبير عنه.
نظرة إنسانة تعبت من الوقوف وحدها، وتبحث عن أي شيء تتشبث به... حتى لو كان مجرد قشة.
وضع أدهم الملعقة جانبًا، وقال بحزم
إنتِ بتشتغلي هنا، وهنديكي مرتب تكملي بيه تعليمك.
رفعت ليان عينيها إليه بسرعة.
لأ طبعًا يا أدهم باشا... ماينفعش.
قالت سهير فورًا
هو إيه اللي ماينفعش ده يا بنتي؟
هزت ليان رأسها، وقالت بصوت خافت
إنتوا مش فاهمينني...
سكت الجميع، فتابعت وهي تحاول أن تسيطر على دموعها
أنا عشان إخواتي وأمي قبلت إني أقعد معاكم وأشتغل هنا...
ثم ابتلعت غصتها وأكملت
لكن كمان فلوس غير اللي إنتوا هتبعتوها كل شهر لأهلي... مش هقدر.
قال أدهم بحزم
ليان، محدش قال إنك بتاخدي حاجة ببلاش.
رفعت عينيها إليه.
بس أنا...
قاطعها
إنتِ بتشتغلي، يبقى ليكي مرتب. والمرتب ده من حقك.
هزت رأسها بسرعة.
لأ... مش هقدر.
قالت سهير برفق
يا حبيبتي، إنتِ مش بتطلبي صدقة. إحنا عايزينك تكملي تعليمك.
لكن كلماتها كانت أكثر مما تحتمل ليان في تلك اللحظة.
وقفت فجأة، وامتلأت عيناها بالدموع.
معلش...
ثم تركت المائدة واتجهت بسرعة إلى الشرفة.
تبادل أدهم ووالداه النظرات.
أما هو، فظل ينظر إلى مكان خروجها، وقد شعر بثقل غريب في صدره.
قال حسين بهدوء
البنت شايلة فوق طاقتها.
تنهدت سهير.
طول عمرها شايلة هم بيتها... مش عارفة يعني إيه حد يشيل عنها.
ظل أدهم صامتًا.
لكنه لم يستطع منع نفسه من النظر ناحية الشرفة.
كانت ليان تقف هناك، تحاول إخفاء دموعها عنهم...
وللمرة الأولى، شعر أدهم أن الأمر لم يعد مجرد شفقة على فتاة ظروفها صعبة.
كان هناك شيء آخر بدأ يتشكل داخله، شيء لم يجد له اسمًا بعد.
في منزل سيلمان...
كان يجلس في غرفة المعيشة بملامح عابسة، يدخن سيجارته في هدوء ظاهري، بينما يمسك في يده كأسًا يتلاعب به بلا اهتمام.
انفتح باب الغرفة، ودخلت فتاة لم نرها من قبل.
كانت جميلة بشكل لافت، ذات ملامح هادئة وبريئة، ويبدو من هيئتها أنها ما زالت في السابعة عشرة من عمرها.
اقتربت منه بخطوات مترددة، ثم وقفت إلى جواره وسألته بصوت خافت
هي ماما مش جاية؟
رفع سيلمان عينيه إليها ببرود، ثم قال بلا مبالاة
وحتي؟ لو جاية هيفرق في حاجة؟
صمتت الفتاة لحظة، ثم سألت بتردد
طيب ندي مش هتيجي تقعد معايا؟
وضع سيلمان الكأس على الطاولة بعنف، لكنه لم ينتبه إلى أنه وضعه بقوة أكبر من اللازم، فانزلق من يده وسقط على الأرض، وتحطم إلى قطع صغيرة.
انتفضت الفتاة من الصوت، وتراجعت خطوة إلى الخلف.
التفت إليها سيلمان بعصبية، ثم أمسك بذراعها بقوة، حتى شحب وجهها من الألم.
إنتِ هنا غصب عننا كلنا! وشغل التحقيق والأسئلة ده مش عايزه!
ارتجفت شفتاها، وانهمرت الدموع من عينيها.
بس أنا كمان أختكم...
ازدادت ملامح سيلمان قسوة.
ياريت يا شيخة ما كنتي أختنا!
دفعها بعيدًا عنه، فسقطت على الأرض.
ثم صاح
غوري من وشي! غوري!
لم تستطع الفتاة الرد.
نهضت مسرعة، وركضت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها.
جلست على طرف السرير للحظات، ثم جذبت الغطاء فوق رأسها، وانكمشت تحته وهي ترتجف من الخوف، تحاول كتم شهقاتها حتى لا يسمعها أحد.
أما سيلمان، فعاد إلى مكانه وكأن شيئًا لم يحدث.
أشعل سيجارته من جديد، ثم أخرج هاتفه واتصل بندى.
ما إن أجابت حتى جاء صوتها المرح كعادته
برو... اشتقنا والله!
رد سيلمان بنفاد صبر
ندى، مش فايق لك. خلصي اللي عندك وبتعمليه وارجعي، عشان الزنانة دي ما تموتش في إيدي!
ضحكت ندى في الطرف الآخر.
هدي نفسك إنت بس... مالك بيها يا سولم؟ سيبها في حالها، دي طفلة يا بابا... سبعتاشر سنة.
زفر سيلمان بضيق.
طفلة إيه بس؟ دي صدعتني بأسئلتها.
ردت ندى بنبرة أكثر جدية
طب بالراحة كده عليها. مش ناقصين بلاوي فوق اللي إحنا فيه... كفاية اللي حصل لحد دلوقتي.
صمت سيلمان للحظات، ثم أطفأ سيجارته بعنف.
أما خلف باب الغرفة، فكانت الفتاة لا تزال مختبئة تحت الغطاء، تضع يدها فوق فمها حتى لا يسمع أحد بكاءها.
لم تكن تفهم لماذا يعاملها أخوها بهذه القسوة...
كل ما كانت تعرفه أنها، رغم كل شيء، لم تتوقف عن اعتباره أخاها.