غرام المغرور الفصل السادس و العشرون

غرام المغرور الفصل السادس و العشرون نسمة مالك

لمحة نيوز

البارت السادس والثلاثون

غرام المغرور..

✍️ نسمه مالك ✍️

ستظلين أمي!!..

مرت بضعة أيام، لم يعد خلالها "فارس" إلى جناحه، وظل برفقة والديه، خاصةً بعدما تدهورت حالة "مارفيل" الصحية وإلحاحها عليه أن يبقى بجوارها.

مما أجبره على إخماد نيران شوقه الشديد لساحرته مؤقتًا، والمكوث إلى جوارها، يهتم بها وباحتياجاتها بنفسه، يطعمها بيده، ويعاملها برحمة وعطف لا يخلو من المحبة.

أظهر لها رحابة صدر فاجأته هو شخصيًا، وأيقن وقتها أنه لم يكرهها لحظة واحدة، برغم كل ما فعلته به.

فماذا عساه أن يفعل غير ذلك؟!

هي ستظل أمه، وتلك حقيقة لن يستطيع تغييرها.

"مارفيل"... استهلاكها الزائد للكحول جعل حالتها الصحية في تدهور مستمر؛ فقدت الكثير من وزنها، وأصبحت عيناها ذابلتين، ووجهها أصفر شاحبًا دائمًا، يظهر عليه الوهن والإرهاق بوضوح.

فقد اكتشف الأطباء المشرفون على حالتها أنها تعاني من مشكلات في الكبد بسبب الإفراط في تناول الكحول لفترات طويلة، الأمر الذي ألحق أضرارًا جسيمة بخلايا الكبد وأضعف قدرتها على أداء وظائفها وتجديد نفسها.

وأصبحت حالتها تحمل العديد من المخاطر الصحية التي تستدعي علاجًا مكثفًا ومتابعة مستمرة.

ارتعد قلب "فارس" من شدة الفزع والخوف عليها بعدما رأى والده يبكي بكاءً مريرًا لأجلها.

أيعقل أن يفقدها للأبد الآن، بعدما عادت إليه بإرادتها؟!

ألقى كل الأفكار المفزعة خلف ظهره، وقرر البقاء إلى جوارها أكبر قدر ممكن.

وصل به الأمر إلى إهمال نومه وراحته، فطيلة الوقت كان يجلس على مقعد بجوار فراشها، ممسكًا بالمصحف الشريف، يقرأ لها ما تيسر من القرآن بقلب خاشع وعينين دامعتين.

لم يكن يريد أن يغفو، فيستيقظ على خبر مفزع يتمنى قلبه ألا يسمعه أبدًا.

..

داخل جناح مارفيل..

وقف "فارس" أمام باب الحمام المغلق، وقد ارتسم القلق بوضوح على ملامحه، ينتظر "مارفيل" التي كانت الممرضات يساعدنها على الاستحمام بماء دافئ.

فُتح الباب أخيرًا، وتحدثت إحدى الممرضات باحترام قائلة:

— فارس باشا.. الهانم خلصت، تقدر تتفضل.

هرع "فارس" نحوها، ودلف إلى الحمام بخطوات مسرعة.

كانت "مارفيل" تجلس على حافة حوض الاستحمام، تحيط بها أكثر من فتاة يدعمنها ويسندن جسدها، حتى لا تستسلم لتهاوي جسدها الضعيف غير المتزن وتسقط أرضًا.

اقترب منها وحيدها بابتسامة بشوشة، ثم مال عليها، ووضع ذراعه حول ظهرها والأخرى أسفل ركبتيها، وحملها بين ذراعيه بمنتهى الخفة، وسار بها إلى الخارج مغمغمًا:

— امممم.. تفوح منكِ رائحة الزهور البيضاء الرائعة، مارفيل.

يا الله!

هيئته وهو يحملها تخطف القلوب...

كانت ضئيلة للغاية بين ذراعيه القويتين، كطفلة صغيرة يحملها والدها ليضعها في فراشها حتى تخلد إلى النوم.

من يراهما لن يصدق أبدًا أنه يحمل والدته.

جلس بها على الفراش، ووضعها بجواره بحرص، ثم بدأ يجفف شعرها بحنو بمنشفة قطنية حتى انتهى.

أمسك بفرشاة الشعر الخاصة بها، الموضوعة على الطاولة بجوار الفراش، وراح يمشط خصلاتها الناعمة بحنان بالغ.

معاملته لها واهتمامه بها أذابا الجليد الذي يغلف قلبها.

رفعت يدها بوهن، وأمسكت يده، ثم قالت بهمسة بالكاد تُسمع:

— كيف لك أن تهتم لأمري بعد كل ما فعلته بك؟!

نظر لها "فارس" قليلًا، بنظرة شفقة ممزوجة بعتاب، ثم تنهد براحة وهو يجيبها:

— إنتِ أمي.. شئتِ أم أبيتِ، هتفضلي أمي مهما عملتي.

أمسك يدها الهزيلة بين كفيه، وتابع بهدوء وتروٍّ:

— زوجتي قالت لي حاجة راقت لي جدًا.. قالت إنها دايمًا بتحط نفسها مكان أي شخص أخطأت في حقه، عشان تقدر تشوف رد فعله بنفسها.

صمت لحظة، ثم تابع:

— وأنا يا أمي حطيت نفسي مكانك، وسألت نفسي: ماذا لو كنت فعلت بابني مثلما فعلتِ أنتِ بي؟! إيه هيكون رد فعله تجاهي؟ أو بالأحرى.. إيه رد الفعل اللي كنت أتمنى يعمله معايا؟

ابتسم ابتسامة صغيرة، وأكمل بصوت أكثر دفئًا:

— لقيت نفسي بتمنى لو يقدر يسامحني.. فأنا والده في الآخر. وده اللي عملته معاكي يا أمي، من غير حتى ما أعرف أسبابك.

ضغط على يدها برفق، وتابع:

— إنتِ أمي.. وأنا هنا جنبك، وهفضل جنبك لحد ما تتماثلي للشفاء.

نظر إلى عينيها اللتين كانت تفتحهما بصعوبة، وأكمل بنبرة راجية:

— مش هطلب منكِ غير حاجة واحدة.. تكوني بخير. بس كوني بخير عشاني يا مارفيل.. مش أكتر من كده.

حديثه الهين اللين، وقلبه المملوء بالرحمة، رأفا بحالتها، وجعلا الطمأنينة تجتاح أوصالها بعدما افتقدتها طويلًا.

وفي تلك اللحظة، قررت أن تبوح له بكل ما تخفيه بين ثنايا روحها.

قالت بصوت متعب:

— هل تعتقد أنني أعاني من عقدة أو ما شابه، حتى يصل بي الأمر إلى أن أقتلك يا بني؟!

حركت رأسها نافية، ثم تابعت بأسف:

— والدك هيحكيلك بكل تأكيد عن سبب اللي عملته في حقك.. لكن خليني أنا أقولك حاجة أهم.. يمكن تكون نهايتي قربت.

عانقها "فارس" بلهفة، وربت على ظهرها برفق، مرددًا:

— لا.. لا.. بقدرة ربنا إنتِ هتبقي بخير. كوني قوية يا مارفيل.. أرجوكي.

استكانت داخل عناقه بتعب، بعدما شعرت ببداية دوار شديد يداهمها، وبدأت تتحدث بغصة مريرة يملؤها الأسى والندم.

— كنت واثقة إنك هتكون بخير..

همست بها "مارفيل" بضعف، وهي تجاهد حتى لا تفقد وعيها.

رفعت يدها المرتجفة، ووضعتها على موضع ذلك الشق الكبير بصدره، ثم تابعت بابتسامة رغم عبراتها التي تساقطت على وجنتيها دون بكاء:

— حتى لما قالولي إن القناص أصابك، وأعلنوا خبر وفاتك.. كنت على يقين إنك لسه عايش، لأن قلبي ما وقفش عن النبض يا بني.

تم نسخ الرابط