ملكة على عرش الشيطان الفصل الأول

ملكة على عرش الشيطان الفصل الأول بقلم اسراء على

لمحة نيوز

الفصل الأول
ملكة على عرش الشيطان
لم يدعُها إلى الجحيم...
بل هي من ذهبت بكامل إرادتها...
زفرت بضيق عدة مرات وهي تترجل من سيارة الأجرة، وبقت تحدق بتلك المدينة التي لطالما كرهتها على الرغم من عدم زيارتها لها مسبقًا، ولكن يكفي ما تداولته الأقاويل عنها مدينة الموتى، هذا ما وصلها عنها.
لأول مرة بحياتها تكره اسمها.. مجرد حرف صغير أودى بها إلى هنا.. لم يكن عليها أن تكون هنا، بل بجوار والدها القعيد، ولكن أخطأ أحدهم ما بين حرفي اللام والدال، فاستُبدلت بزميلها.
انتبهت على صوت السائق وهو يقول
نزلتلك الشنط يا ست العرايس.
متشكرة...
قالتها وهي تمد يدها ببضع ورقات نقدية ليأخذها السائق ثم رحل.
بقت هي تلعن سوء حظها، فهي فتاة لم تتجاوز السادسة والعشرين من عمرها، تعمل كجراحة بإحدى المشافي الحكومية التابعة لمدينتها، ولكن شاء القدر أن يتم نقلها إلى تلك المدينة نظرًا لما تعانيه من عجز بطاقم العمل.
وضعت نظارتها الشمسية على عينيها الزرقاوين بلون السماء الصافي.
تنهدت حاملة حقائبها ثم توجهت إلى بوابة المدينة.. كانت الساعة لا تزال مبكرة على خلاء الطرق بهذه الطريقة المثيرة للريبة.. ابتلعت ريقها بتوجس، لكنها تشجعت وأكملت طريقها.
بسيرها، بقت تشاهد معالم المدينة الساكنة.. المحال مغلقة ولا ترى بشريًا واحدًا.. داهمها أحد مشاهد الأفلام الأجنبية التي تشاهدها.. تكون المدينة فارغة ومن ثم يبدأ الخطر في الظهور.. ضحكت على سذاجتها، بل في الواقع هذا ما تنتظره.. فالمدينة هي مسقط رأس الخارجين عن القانون بكل أنواعهم وأجناسهم، فلا ريب أن الجميع يهرب من تلك المدينة النائية.
وفي ظل السكون والرياح هي المؤنس الوحيد.. وجدت أحد المحال مفتوحة.. تهللت أساريرها واتجهت إليه سريعًا.. ولكنها توقفت وعيناها تتسعان بدهشة، فلم يكن هذا المحل سوى لمتاجرة السلاح.. ابتلعت ريقها وقررت العودة دون أن ينتبه لها من بالداخل.
تجمدت هي على صوت ليس بالغليظ ولا بالرفيع وهو يهدر
مش حظر التجوال بدأ!!.. ماشية ليه يا ست أنتِ!!...
ابتلعت ريقها وقد تجمدت في مكانها، وظلت تتمتم بحسرة
منك لله يا سليم.. رقبتي هتطير بسببك...
استدارت بانتفاضة على صوته وهو يزعق، لترفع النظارة فوق خصلاتها البنية الممتزجة بالشقار الاصطناعي.. عاينها الرجل من رأسها حتى قدميها ثم نظر إلى حقائبها ليحك ذقنه قائلًا
شكلك لسه جديدة!.. مش كدا يا ست!
أومأت بتردد قائلة بخفوت أيوة.. أنا دكتورة.. اتنقلت جديد هنا...
لمحت ابتسامة جانبية ترتسم على وجهه، فضربت بكعب حذائها الأرض بصرامة جعلته يرفع حاجبيه قبل أن يردف بنبرة ساخرة
نورتي يا ست الدكاترة كلهم...
نظرت إليه باستياء قبل أن تتشدق بجمود ونبرة خشنة
طب أنا عاوزة أروح المستشفى.
طب مش تروحي تريحي يا ست الدكتورة من تعب السفر!.. في مُكنة تروحيها ولا تحبي أوديكِ بنفسي؟
اتسعت عيناها بدهشة، لكنها هدرت
أفندم!!.. أنت بتقول إيه يا راجل أنت؟!...
قهقه الرجل بقوة وبقت هي تحدق به بغضب.. ليقول بعدما فرغ من ضحكاته
متتزرزريش كدا.. القانون هنا بيقول.. اعمل كل حاجة إلا إنك تقرب من ست.. آه، دا قانون صارم هنا.. فمتخافيش، عشان أنا هخاف أكتر منك لو فكرت أأذيكي.. دا مبيسامحش...
انتبهت حواسها لتلك العبارة الأخيرة لتسأله باهتمام
مين دا!!...
رفع منكبيه وصمت، لتزفر بضيق وعادت تسأله
مين دا اللي مبيسامحش؟
التوى شدقه بسخرية وقال
مفيش داعي تسألي.. أنتِ هتعرفي لوحدك...
وها هو لغز جديد يُلقى بطريقها بتلك المدينة.. ألا يكفي القلق الذي اجتاح أوصالها؟.. حظر تجوال، ثم محل أسلحة مفتوح أثناء الحظر، وأخيرًا شخص غامض لا تعرفه بعد.. ولكن ثمة هاجس بعقلها أخبرها أنها لا يجب أن تعرفه.. لا يجب.. لا يجب أبدًا.
ارتفعت أنظارها إليه وهو يقول بجدية
بصي يا ست الدكتورة.. شوية قوانين هتعرفيها بس مش دلوقتي.. أنا هوصلك لسكن حُنين كدا عليكِ بتاع واحدة أعرفها.. ومحدش هيقربلك.. زي ما قولتلك، مفيش حد يقدر يكسر القانون دا وإلا حياته هتكون التمن...
أمن المفترض ما قاله أن يطمئنها؟.. بل على العكس، أضاف المزيد من القلق إلى خوفها الحالي.. أخفت ارتجاف يديها وهي تستمع إلى صاحب المحل يخبر من بالداخل أنه سيقضي مصلحة ثم يعود.. أشار بيده وقال
اتفضلي يا ست الدكتورة.. ألا الدكتورة اسمها إيه!
تحركت بجواره وهمست سديم.
حك ذقنه ثم قال بابتسامة واسعة الله.. اسم حلو أوي.. لأ ولايق عليكِ...
امتعضت ملامحها.. يحادثها وكأنه يعرفها منذ زمن.. وكأن من الطبيعي أن يحدث كل هذا.. وكأن كل ما يحدث طبيعي.
ظلت تسير بجواره والرجل يتحدث بلا انقطاع، ولا تنكر أنه يتمتع بحس فكاهي رائع، ولكنه لم يتطرق إلى ما يخص تلك المدينة، بل إلى حياته الشخصية وزوجاته الأربع اللاتي لا يقدر عليهن، بل ويفكر أحيانًا في الهروب من مشاكله معهن.
توقفا أمام بناية ليست بحديثة الطراز، ولكنها تفي بالغرض.. طلب منها صاحب المحل أن تنتظره بالأسفل.. أومأت بموافقة ليصعد هو.
بعد عدة دقائق ظهر هو ومعه فتاة تبدو في الثلاثين من عمرها، تبتسم بوجهها الذي ترك حرق قديم أثرًا في وجنتها اليسرى، لكنه لم يُخفِ ملامحها الجميلة.
ابتسمت تلك الفتاة ثم رفعت عباءتها لتقول بحبور وهي تتقدم من سديم
هي دي الداكتورة!.. يا ألف أهلًا وسهلًا.. خطوة عزيزة يا ست الكل.
ردت سديم باقتضاب شكرًا.
تولى الرجل الحديث دي سُمية طليقتي!!...
ارتفع حاجباها بدهشة.. أهو متزوج لأربعة وأخرى طلقها؟!.. لا تصدق تلك الألفة في تعاملهما.. طليقته، ولكنها تتحاور معه الآن وكأنهما جاران.
لازم تشيليها في عينيكِ يا سُمية.. دي من طرفي.
أشارت

تم نسخ الرابط