جريمه في عماره 6 الفصل الخامس عشر

جريمه في عماره 6 الفصل الخامس عشر للكاتبه بيري النجار

لمحة نيوز


شهقت غالية، ورفعت يدها إلى فمها تكتم صرختها، بينما أدار عاصم وجهه إلى الناحية الأخرى، محاولًا إخفاء عينيه اللتين اغرورقتا بالدموع.
ظل صامتًا لثوانٍ، ثم تابع
أخدنا القائد... كنا خمسين شاب، وقالنا انتوا كل واحد فيكم منين؟ كل واحد قال منين، وأنا قلتله من مصر.
ابتلع ريقه، ثم أكمل
قال حضروا نفسكم، هتنزلوا بلادكم وهتبقوا عند القائد بتاعكم.
توقفت أنفاسه لحظة، قبل أن يقول
نزلنا مصر، واتحطيت في مكان زي ملجأ أو دار رعاية فترة، وكل واحد فينا بقى ييجي واحد يتبناه.
نظر إليها مباشرةً، وقال
وأنا اتبناني الباشا!!
تعلقت عينا غالية به في صمت.
كان التعاطف قد تسلل إلى قلبها رغم نفورها منه بسبب كذبه عليها، وإخفائه حقيقته، وإيهامها بأنه محامٍ، ورغم أنها لم تكن قد فهمت حتى الآن ما علاقة كل تلك التفاصيل بكونها ليست في أمان.
مد عاصم يده، وأمسك يدها برفق، ثم أخذ يرسم بإبهامه دوائر صغيرة فوق ظهر كفها، قبل أن يقول
أنا مش هقدر أكمل الكلام هنا.
نظرت إليه غالية باستغراب، وسألته
ليه؟
لم يجبها مباشرة، بل رفع عينيه إلى الباب الزجاجي العازل المؤدي إلى الداخل، ذلك الباب الذي يسمح لمن بالداخل برؤية من في الخارج، بينما يحجب عن الموجودين في الخارج رؤية من بالداخل.
ثم قال، وهو يشير بعينيه إلى الخلف
عشان اللي بتتصنت علينا دي.
شهقت غالية، والتفتت سريعًا خلفها.
وهناك، خلف الزجاج، كانت سارة تقف ممسكة بكوب الشاي والسندويش، وقد ألصقت أذنها بالزجاج بكل براءة مصطنعة، تحاول التقاط ما يدور بينهما.
ضحكت غالية رغمًا عنها، وقد تبدلت ملامحها للحظات، ثم عادت لتنظر إلى عاصم بحنان.
وحين وجدته ينظر إليها بالطريقة نفسها، سحبت يدها من بين يديه، واستعادت جديتها وقوتها، ثم قالت
أنا برضه ما فهمتش إيه علاقة ده بيا، بس هستنى تكمل.
ثم فتحت باب الشرفة.
كانت سارة على وشك أن تفقد توازنها وتسقط، فرفعت غالية حاجبها وهي تنظر إليها بسخرية، وقالت
إيه؟ مش تلميع الأوكر ده كان خلص من زمان تقريبًا؟
اعتدلت سارة سريعًا، ثم تنحنحت بطريقة هزلية وهي تقول
إيه يا أبو الغوالي؟ كنت بطمن... افرض استفرض بيكي!
شهقت غالية، ثم أسرعت بوضع يدها على فم سارة، وقالت وهي تحاول كتم ضحكتها
هش... هش بس! الله يكسفك!
كان منظر غالية وسارة بالنسبة إلى عاصم أشبه باستراحة قصيرة من ثقل ذكرياته؛ لحظة بسيطة استطاع فيها أن يخرج من الماضي الذي ظل يطارده لسنوات، ولذلك لم يتمالك نفسه من الضحك على سارة، ثم قال لها ممازحًا
عارفة يا زقردة؟ أنا هموت وأستفرض، بس كل مرة أستغفر!
انفجرت سارة ضاحكة، ومدت كفها لتضرب كفه وهي تقول
حلوة دي يا كابتن... على نفس الوزن!
ما إن انتهت من جملتها حتى تبدلت ملامح عاصم إلى الجدية، وسحب يده منها قائلًا بصوتٍ قوي
بصي يا بنتي...
تراجعت سارة فورًا إلى الخلف، واختبأت وراء غالية، ثم أمسكت بذراعها وقالت بخوف مصطنع
يا ماما الحقيني يا لولو!
ضحكت غالية وهي تنظر إليها، بينما قال عاصم
إنتِ هتصحبيني ولا إيه؟
ازدادت ضحكة غالية، ثم قالت لسارة بجدية مصطنعة
معلش يا سوسو... هوصل عاصم عشان طالع.
ابتسمت سارة وهي لا تزال متشبثة بذراع غالية، بينما تحركت غالية برفقة عاصم حتى أوصلته إلى الباب.
وحين وصلا إليه، توقف عاصم أمامها، وأسند يديه الاثنتين إلى جانبي الباب، محاصرًا المسافة الصغيرة بينهما دون أن يلمسها.
كانت غالية أقصر منه بكثير، فاضطر إلى الانحناء قليلًا حتى يتمكن من الهمس لها، وقال بصوتٍ خافت
على عيني... على فكرة، أسيبك قلقانة ومش عارفة حاجة؟
رفعت غالية عينيها إليه، فتلاقت عيناهما في صمت.
توقفت الكلمات على طرف لسانها، بينما ظل عاصم ينظر إليها للحظات، وكأن شيئًا ما في عينيها جعله ينسى كل ما أراد قوله.
مال نحوها ببطء، حتى لامست جبهته جبهتها.
تجمدت غالية في مكانها، وقد شعرت بتسارع أنفاسها، بينما ظل عاصم قريبًا منها للحظات، وكأنه على وشك الاقتراب أكثر.
لكنها أفاقت فجأة من شرودها، وأبعدته عنها برفق، ثم رفعت كفها ووضعته على صدره، تحديدًا فوق قلبه.
وحين شعرت بخفقاته المتسارعة تحت يدها، ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها.
رفعت عينيها إليه، فوجدته يبتسم لها بحنان لم تره في عينيه من قبل.
وضع عاصم يده فوق يدها التي استقرت على قلبه، وقال بصوتٍ خافت يحمل بين حروفه وجع سنوات طويلة
آخر مرة سمعت قلبي بيدق كده... لما كنت في حضن أمي وعيلتي.
ظلت غالية تنظر إليه لثوانٍ، عاجزة عن العثور على الكلمات المناسبة أمام اعتراف كهذا.
ثم سحبت يدها ببطء، وقالت بنبرة هادئة
تصبح على خير يا عاصم.
ظل عاصم ينظر إليها قليلًا، وكأنه يريد أن يحفظ ملامحها في ذاكرته، ثم ابتعد عنها أخيرًا وغادر.
أما غالية، فظلت واقفة عند الباب تتابعه بعينيها حتى ابتعد، قبل أن تغلقه بهدوء خلفه.
_____________________
في مكانٍ آخر، كان الرجل الكبير يجلس على كرسيه المتحرك المعتاد، مولّيًا ظهره للباب، كما لو أنه يتعمد أن يظل وجهه سرًّا لا يُكشف.
منذ ظهوره الأول، لم يرَ أحد ملامحه بوضوح، ولم يكن أحد يعلم كيف يبدو وجه الرجل الذي يحرك خيوط الأمور من خلف الستار.
وعلى الأريكة المقابلة له، جلست الفتاة التي سبق أن رأيناها من قبل؛ شعرها مصفف على الطريقة الأفريقية، وتزين جسدها بعض الوشوم التي منحت مظهرها طابعًا جريئًا ومختلفًا.
كانت تمسك حاسوبها المحمول، وقد ظهرت على شاشته نافذة خضراء تمتلئ بالأرقام والكلمات الإنجليزية، تتحرك أمام عينيها بسرعة هائلة، بينما راحت تعبث بإحدى ضفائر شعرها بيدها الأخرى.
رفع الرجل صوته قائلًا
إيه يا دودو؟ وصلتي الرسالة للظابط؟
ردت عليه وهي تواصل اللعب بضفيرتها، بينما كانت تمضغ العلكة بلا مبالاة
تم يا بوص.
ظل صامتًا للحظات، ثم قال بنبرة تحمل شيئًا من الضيق
على فكرة هو مش عاجبني الفترة دي... شكله حب البت وهيبوظ لنا كل حاجة.
رفعت عينيها عن شاشة الحاسوب، ثم صنعت فقاعة صغيرة من العلكة بفمها قبل أن تنفجر الفقاعة بصوتٍ واضح، وقالت
ما إنت عارف يا بوص... بيريل على أي بت تقع قدامه.
ضحك الرجل بسخرية، ثم سألها
إنتي مهكرة تليفونه صح؟
أجابته بالإنجليزية، دون أن ترفع عينيها عن الشاشة
Yap.
ابتسم الرجل، بينما تابعت هي حديثها بتركيز
على فكرة أنا مهكرة تليفون الظابط ده وصاحبه... بس صاحبه مز أوي.
انطلقت ضحكة قصيرة من الرجل، ثم قال
عارفك لما يعجبك حد.
رفعت حاجبها، وكأنها لم تجد في الأمر ما يستحق الإنكار، ثم عادت إلى شاشة الحاسوب.
قال الرجل بنبرة آمرة
يلا خلصي شغلك واللي بتعمليه، وما تنسيش تطمني على البت.
أومأت برأسها، وقالت ببساطة
تمام يا بوص.
وعادت أصابعها تتحرك فوق لوحة المفاتيح، بينما ظل الرجل جالسًا في مكانه، وظهره لا يزال مواجهًا للباب، مخفيًا خلفه وجهًا لم يُسمح لأحد حتى الآن بأن يراه.

تم نسخ الرابط