جريمه في عماره 6 الفصل الخامس عشر
جريمه في عماره 6 الفصل الخامس عشر للكاتبه بيري النجار
بعد أن أنهى أدهم عمله، خرج من القسم متجهًا إلى سيارته، لكنه ما إن اقترب منها حتى لفت انتباهه وجود ورقة مثبتة أسفل إحدى مسّاحات الزجاج الأمامي.
توقف للحظة، وأخذ يتفحص المكان من حوله بحذر، ثم مد يده وأمسك بالورقة من طرفها، قبل أن يقرأ ما كُتب عليها
ابعد عن قضية الدكتور أكرم.... أحسن لك.
تجمدت ملامحه لثوانٍ، ثم رفع عينيه يتفحص المكان المحيط به، محاولًا معرفة إن كان هناك من يراقبه أو ينتظره في مكان قريب.
ألقى نظرة سريعة حوله، لكن كل شيء بدا طبيعيًا، ولم يلحظ أي شخص يثير الريبة.
لم يضع الورقة في جيبه، بل فتح باب سيارته وأخرج منها حقيبة الإسعافات الأولية، ثم أخرج زوجًا من القفازات وارتداهما بعناية، وبعدها أمسك الورقة من أحد أطرافها، ووضعها داخل ظرف نظيف.
أغلق الظرف، ثم عاد إلى داخل القسم بخطوات سريعة.
توجه إلى أحد العساكر وقال بحزم
نادِ لي على عدي.
لم تمر سوى دقائق حتى ظهر عدي أمامه مسرعًا، وقد بدا القلق واضحًا على ملامحه.
فيه إيه يا أدهم؟ حاجة حصلت؟
مد أدهم الظرف إليه دون إضاعة وقت.
خد الظرف ده، وكلم الدكتور أحمد بتاع الطب الشرعي، يشوف البصمات الموجودة على الورقة دي بتاعت مين. أنا مسكتها من حرفها.
تناول عدي الظرف، ثم نظر إليه باستغراب.
والورقة دي فيها إيه يعني؟
رمقه أدهم بنفاد صبر وقال
خلص يا عدي، وهبقى أحكيلك. خلينا نكسب وقت.
أومأ عدي دون نقاش، وغادر المكان على الفور.
مرّت ساعة كاملة قبل أن يعود عدي إلى القسم من جديد.
اقترب من مكتب أدهم، ثم جلس على المقعد المقابل له وهو يتنهد بإرهاق.
وصلت الظرف بنفسي لأحمد في المصلحة، وهو بنفسه هيشرف على الفحص.
ثم أسند ظهره إلى المقعد وقال بضيق
إيه بقى الحوار اللي خلاني أتكلف المشوار ده كله؟
رفع أدهم عينيه إليه، ثم أخرج هاتفه من جيبه وفتح الصورة التي التقطها للورقة قبل أن يضعها داخل الظرف، ومد الهاتف نحوه.
شوف كده... مين يعرف إني ماسك قضية الدكتور أكرم؟
أخذ عدي الهاتف وأمعن النظر في الصورة، بينما تابع أدهم بنبرة أكثر جدية
واللي بعت الرسالة أكيد عارف إن غالية كانت هنا امبارح.
رفع عدي عينيه إليه، وقال بثقة
أكيد طبعًا. ما لو هو عارف إنك ماسك القضية، كان هددك من بدري. هما قلقوا لما غالية جت لك امبارح.
عاد أدهم إلى الخلف، وأسند ظهره إلى مقعده، ثم أخرج سيجارة وأشعلها، وظل للحظات يراقب الدخان المتصاعد منها بشرود.
بس اللي مستغربه إن غالية مكنتش موافقة إنها تدينا الهارد... فجأة كده طلعت الفلاشة والمعلومات دي كلها. إيه اللي حصل خلّاها تخاف وتيجي؟
ساد الصمت للحظات، قبل أن يجيبه عدي
في المباحث عندي فضلوا يدوروا وراها، وملاقوش حاجة. من البيت للجامعة والعكس، مفيش أي حاجة غريبة.
ظل أدهم صامتًا، وعيناه معلقتان في نقطة بعيدة، وكأن عقله يعيد ترتيب كل التفاصيل التي حدثت خلال الأيام الماضية.
ثم قال بهدوء حاسم
هنعرف... مفيش حاجة بتستخبى.
عاد الصمت ليسود المكان، بينما ظل الظرف الذي يحمل الورقة أمامهما، وكأن بداخله مفتاحًا قد يقودهما إلى الشخص الذي بدأ يحرك خيوط القضية من الظلام.
________________________
كان عاصم وغالية لا يزالان واقفين في شرفة المنزل، بينما كانت غالية تستمع إليه بكل جوارحها، وقد تملّكها الخوف والقلق والتوتر، وأصبحت شديدة الانتباه لكل كلمة تخرج من فمه.
قال عاصم بصوتٍ هادئ، لكنه مثقل بما يحمله من ذكريات
هحكيلك.
ظلت صامتة، تنتظر، وعيناها معلقتان به.
قال وهو يتنفس بعمق
أنا عاصم عبد الدايم... مش محامي ولا دخلت كلية أصلًا.
مع كل كلمة نطق بها، كانت غالية تزداد ذهولًا واندهاشًا، غير قادرة على استيعاب ما تسمعه.
تابع حديثه، فتارةً كان ينظر إلى الأرض، وتارةً يحدق في البعيد، وأحيانًا يرفع عينيه إليها وكأنه يستمد منها القدرة على مواصلة الحكاية.
اتخطفت وأنا صغير من أبويا وأمي وأخويا وإحنا في أمريكا. أبويا أيامها كان ظابط وعنده مهمة شغل، وروحنا بسببها هناك... وأنا اتخطفت منهم هناك.
نظرت إليه غالية بشرود، وكأن عقلها توقف للحظات عن استيعاب كل ما يحدث، ثم سألته بصوتٍ مرتجف
إزاي اتخطفت منهم؟
ابتلع عاصم ريقه بصعوبة، وقد ظهرت الغصة جلية في صوته قبل أن يجيب
حصل اشتباك وضرب نار، وأبويا عرف يأمّن أمي وأخويا، وقالي أجري بعيد لحد ما أطلع على الشارع... وأنا عملت كده. هو كان معلمنا الطريق، وللأسف مع الضلمة والشتاء أنا لخبطت السكك، ودخلت الغابة بدل ما أطلع على الشارع... وجه اللي خطفني.
كانت الدموع قد بدأت تنساب من عيني غالية دون إرادة منها، فمسحت أنفها سريعًا، ثم قالت بصوتٍ مخنوق
و ده إيه علاقته بيا؟
رفع عاصم عينيه إليها، وظل ينظر إليها طويلًا قبل أن يقول
غالية... كل حرف جاي هو له علاقة بيكي أو بيا، وأنا ليا علاقة بيكي.
هزت رأسها ببطء، بينما ظل عاصم للحظات صامتًا، وكأنه يستجمع شجاعته لمواصلة الجزء الأصعب من حكايته.
قال
صحيت يومها لاقيت نفسي في زنزانة فيها أطفال في سني، وأصغر وأكبر كمان. وأنا كان عندي اتناشر سنة... مكنتش عارف أنا روحت فين، ولا إيه اللي جابني هنا.
توقفت أنفاس غالية تقريبًا وهي تستمع إليه.
يومها عرفت من اللي شوفته إن حياتي القديمة، لو في احتمال أرجع لها، هيبقى واحد في المية.
صمت لحظة، ثم تابع بصوتٍ أكثر انكسارًا
كانوا مرقمينا. أنا كنت رقم 483. محدش كان يعرف اسم حد، كل واحد كان بيردد اسمه في سره عشان ما ينساهوش.
رفع عينيه إليها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة حزينة لم تصل إلى عينيه.
على فكرة... اسمي عاصم، بس معرفش ولا اسم عيلة ولا اسم أب. نسيته من كتر الأرقام.
ارتعشت شفتا غالية، بينما واصل هو حديثه، وكأنه يفتح أمامها أبوابًا ظل يغلقها طوال سنوات.
في يوم لما كبرت وبقي عندي عشرين سنة، وقتها أنا بقيت من الكبار. نقلوني لمهجر تاني مع اللي في سني. والتدريبات وقتها مكنتش زي تدريباتي... كانت أقسى وأقوى.
تنفس ببطء، ثم أضاف
وأنا للأسف كنت من الأقوياء والأذكياء.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يكمل
وقتها لما جه القائد واختار ما بينا، كنت فاكر إن اللي مش هيختاره هيكمل تدريب... أو يرجع.
رفع عينيه إليها، وكان الحزن واضحًا في ملامحه.
عارفة عمل فيهم إيه؟
هزت غالية رأسها بالنفي، والدموع لا تزال تنساب على وجنتيها، وقد احمر أنفها وجنتيها من شدة البكاء.
ضحك عاصم بسخرية مريرة، وقال
قتلهم... اللي ما نفعوش اتقتلوا قدامنا كلنا وقتها.