جريمه في عماره 6 الفصل الثالث عشر
جريمه في عماره 6 الفصل الرابع عشر للكاتبه بيري النجار
أجابت غالية بصوت مبحوح، بالكاد خرج من بين شهقاتها
ده... ده اللي بابا اتقتل عشانه.
شهقت سارة، واتسعت عيناها في ذهول.
إنتِ بتقولي إيه؟ قتل إيه؟ للدرجة دي؟
قالت غالية بحسرة
أديكي شايفة... دول الناس اللي حاربوا بابا في مشروعه. ولما قرر يفضحهم اتقتل. كانوا بيهددوه عشان المشروع ما يتنفذش هنا، ويتباع بره بالملايين، تدخل في جيوبهم طبعًا. وبره يستفيدوا من علم أبويا، وبلده لأ... مرضاش. رفض، ولما عرفهم إنه مش هيسكت... قتلوه.
وانهارت من جديد في البكاء.
اقتربت منها سارة، واحتضنتها بقوة وهي تربت على ظهرها في محاولة لتهدئتها.
ثم سألتها بهدوء
وإنتِ عرفتي كل ده إزاي؟
أخفضت غالية رأسها، وظلت تحدق في الأرض بينما كانت دموعها لا تزال تنهمر.
وقالت بصوت مكسور
بابا... قبل ما يغدروا بيه ويقتلوه، كان حاسس...
ساد الصمت للحظات.
مسحت سارة دموعها بعنف، ثم اعتدلت في جلستها وقالت بجدية
وإنتِ هتعملي إيه بقى؟
رفعت غالية عينيها إليها وقالت بضعف
مش عارفة.
أمسكتها سارة من ذراعها بقوة، وقالت بحزم
مافيش حاجة اسمها مش عارفة. أنا أبويا مات بحسرته على أرضه وورثه، ومعرفتش أعمله حاجة، ومتحسرة عليه لحد الثانية اللي بكلمك فيها دي... وإنتِ بتقولي مش عارفة؟
نظرت إليها غالية بانتباه، وقالت
يعني أعمل إيه يا سارة؟
أجابتها سارة وهي تفكر
روحتي القسم؟
قالت غالية
آه، رحت النهارده، وقدمت الفلاشة اللي عليها الفايل ده لمقدم كان جه هنا، وكان فاكر إن الهارد مع عمو خلف.
قاطعتها سارة بسرعة
وهو عرف منين موضوع الهارد؟ وعرف أو حتى شك منين إنه مع الدكتور خلف؟
قالت غالية بحيرة
هو وقتها قال إن عندهم معلومات إن الهارد مع عمو. بس إزاي أصلًا جالهم المعلومات دي؟ يبقى عمو خلف يعرف موضوع الهارد، وعمو خلف ميعرفش غير إن بابا كان بيعمل أبحاث مهمة.
رفعت سارة إصبعها السبابة وهي تهز رأسها بالنفي، وقالت
لأ... لأ... الموضوع ده فيه حاجة غلط... أو فيه حاجة ناقصة.
وضعت غالية يدها على رأسها، وقالت بإرهاق
مش عارفة بقى... أنا تعبت.
طرق الباب، وكان عاصم هو من يقف خلفه. وما إن فتحته غالية حتى لمح الدموع العالقة بعينيها، فدون تفكير، دخل إلى الشقة وسألها بقلق، وهو يغلق الباب خلفه
مالك؟
نظرت إليه وهي تمسح عينيها سريعًا، محاولةً إخفاء أثر بكائها، ثم قالت
مافيش يا عاصم.
ألقى عاصم نظرة خلفها، فوجد سارة جالسةً على الأريكة، تأكل من قطعة الكيك بكل لا مبالاة، وما إن التقت عيناها بعينيه حتى رفعت يدها تشير إليه بتحية عابرة.
ابتسم لها ابتسامة خفيفة وردَّ التحية، ثم عاد بنظره إلى غالية، وقد بدا القلق واضحًا في ملامحه.
في إيه؟ مالك؟
نظرت إليه غالية باستغراب. لم تفهم سبب ذلك القلق الذي يملأ عينيه، ولا لماذا بدا خوفه عليها وكأنها تعني له شيئًا... أو ربما أكثر مما ينبغي.
نفضت تلك الفكرة من رأسها سريعًا قبل أن تسترسل فيها، ثم أشارت إلى الداخل قائلة
اتفضل، سارة جايبة عصير وكيك.
تنهد عاصم، وكأنه تذكّر لتوه سبب مجيئه، ثم قال
لأ، بالهنا والشفا إنتوا. أنا بس كنت جاي لك في حاجة مهمة.
انعقد حاجبا غالية باستغراب، وقالت
حاجة؟ حاجة إيه؟
لم يجبها فورًا، بل ألقى نظرة سريعة نحو سارة، ثم عاد ببصره إليها وقال
ينفع نتكلم في البلكونة؟
أومأت غالية دون تردد
اتفضل.
دخل عاصم إلى الشرفة أولًا، وتبعته غالية، ثم وقفت إلى جواره تنتظر أن يتحدث.
إيه بقى؟
ظل صامتًا للحظات، واضعًا يده على سور الشرفة، وضاغطًا عليه بقوة حتى برزت عروق يده بوضوح.
لاحظت غالية ذلك التوتر، فتأملته بقلق وسألته
في إيه؟ هو الموضوع وحش أوي كده؟
رفع عاصم عينيه إليها، وكانت نظرته تحمل خوفًا وحنانًا أربكاها في آنٍ واحد. ثم مد يده وأمسك يدها.
ارتجف جسدها بمجرد أن لامست يده يدها، ورفعت عينيها إليه في دهشة.
قال وهو يثبت عينيه في عينيها
غالية... إنتِ مش في أمان.
شهقت غالية واتسعت عيناها، وسحبت يدها منه بسرعة، ثم قالت بقلق وغضب
مش في امان يعني إيه مش في امان دي هو انت عارف حاجه و سامع حاجه
ثم صاحت فيه
عاصم، رد عليا!
أمسك عاصم بذراعها وأوقفها ثابتة أمامه، ثم قال بحزم امتزج بالحنان
اهدي، سامعني؟ اهدي يا غالية... أنا مش هسيب حاجة تحصل لك.
سحبت ذراعها منه بعصبية وقالت
عاصم، أنا هادية! بس في إيه؟
تركها عاصم، وأدار وجهه بعيدًا، وظل ينظر إلى العمارات المقابلة وكأنه يحاول ترتيب الكلمات التي عجز عن إخراجها.
ثم قال بصوت هادئ
أنا مش محامي يا غالية.
ظلت تحدق فيه باندهاش، لا تفهم ما الذي يحاول الوصول إليه.
ألقى عليها نظرة خاطفة، ثم أعاد بصره إلى البعيد وقال
أنا واحد مالوش أهل ولا عيلة... ولا حتى حد يسأل عليه. وطول عمري عايش لوحدي.
صمت لحظة، وكأن اعترافه التالي أثقل من أن يُقال بسهولة، ثم تابع
واللي رباني... حد أبعد ما يكون عن الإنسانية.
وضعت غالية يدها على ذراعه، وكانت أصابعها ترتجف من شدة التوتر، ثم قالت بعصبية وحيرة
إنسانية إيه؟ ومحامي إيه؟ أنا مالي أنا بكل الكلام ده؟ عاصم... ولا اسمك كمان مش عاصم؟ أنا عايزة أعرف إنت عرفت منين إني مش في أمان؟
استدار عاصم إليها ببطء.
ظل ينظر إليها طويلًا، وكأن عينيه تحملان إجابة أخطر مما تتوقع، ثم قال بهدوء
هقولك.