جريمه في عماره 6 الفصل الثالث عشر
جريمه في عماره 6 الفصل الرابع عشر للكاتبه بيري النجار
في مخزن الباشا، كان أحد الرجال مُقيدًا بإحكام، بينما استقرت تفاحة فوق رأسه. وقف الباشا على بُعد أمتار قليلة، يرفع مسدسه بثبات، ثم يطلق رصاصة تخترق التفاحة بدقة مذهلة دون أن تُصيب الرجل.
وما إن كانت التفاحة تسقط، حتى يتقدم أحد رجاله، فيُثبت تفاحةً أخرى فوق رأس الأسير، ليُعيد الباشا المشهد مرةً بعد أخرى، وكأن الأمر مجرد تدريب اعتيادي.
في تلك اللحظة، دخل عاصم.
وقعت عيناه على الرجل المربوط، فارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، ثم سحب كرسيًا، وقلبه بحيث أصبح ظهره في مواجهة صدره، وجلس عليه في هدوء أمام الباشا.
أخرج سيجارة من علبتها، أشعلها، وأخذ ينفث دخانها بلا مبالاة، وكأن ما يراه أمامه لا يعنيه من قريب أو بعيد.
ظل الصمت يخيّم على المكان، إلى أن دوّى صوت طلقة جديدة، أعقبها صرخة الرجل المربوط.
ابتسم عاصم ابتسامة باردة، ثم ألقى سيجارته أرضًا وسحقها أسفل حذائه، قبل أن يرفع بصره نحو الباشا، فوجده ينفخ الدخان المتصاعد من فوهة المسدس، ثم أعاد ضبط سلاحه ووضعه فوق المكتب.
اقترب الباشا منه وصافحه، ثم جلس في مقعده.
أما عاصم، فجلس أمام المكتب، وأسند ذراعيه إليه، وقال بصوت هادئ يحمل بين نبراته تهديدًا خفيًا
هي فين؟
تظاهر الباشا بعدم الفهم، وقال ببرود
تقصد مين؟
برقت عينا عاصم، وجزّ على أسنانه قبل أن يقول بغضب مكتوم
إنت عارف قصدي مين... هي فين يا رشيدي؟
ابتسم الباشا بسخرية، وقال
ولو يعني عايز أقولك... مش كنت قولتلك من زمان؟ ولا إنت رأيك إيه؟
ضرب عاصم المكتب بقبضته وهو يصيح
أنا عايز أعرف أمي فين... وأخويا فين... وعيلتي فين يا باشا!
تلاشت ابتسامة الباشا، وقال بجدية
مش أنا قولتلك؟ يوم ما تعرف مكانهم... هيبقى آخر يوم، يا في حياتك... يا في حياتهم.
ثم أضاف بنبرة بدت وكأنها حكمة قديمة
ماتسألش يا عاصم... وماتدورش كتير... خلاص.
حدق فيه عاصم طويلًا بنظرة غامضة لا يمكن تفسيرها، ثم قال بهدوء
اللي تشوفه يا باشا.
استدار وغادر المخزن، بينما كان الغضب يشتعل في داخله، أما الباشا فظل جالسًا مكانه، غارقًا في التفكير، وكأن كلمات عاصم الأخيرة حملت ما هو أكثر من مجرد استسلام.
اتجه عاصم إلى منزل مهاب، وما إن دخل حتى جلس بصمت.
نظر إليه مهاب باستغراب وقال
إيه مالك؟ حصل إيه تاني؟
أطلق عاصم زفرة طويلة، ثم قال وهو يمرر يده في شعره
تايه يا مهاب... مش عارف أعمل إيه.
اعتدل مهاب في جلسته وقال بهدوء
طيب ما تقولي... يمكن أفكر معاك.
ظل عاصم ينظر إليه لثوانٍ، ثم قال
هي فين دلوقتي؟
عقد مهاب حاجبيه وقال
قصدك على مين؟
تنهد عاصم وقال بصوت خافت
رنا يا مهاب... فين دلوقتي؟
أجابه مهاب
من بعد ما سيبتوا بعض، وأنا ما شوفتهاش غير تلات أو أربع مرات بس.
ظل عاصم صامتًا للحظات، ثم قال وهو شارد الذهن
أصل لما قولتلي قبل كده ما وحشتكش؟... وقتها قلبي ما دقش، وما حسّتش إني عايز أرجع زي زمان.
كان مهاب يستمع إليه باهتمام، ثم ابتسم بخبث وقال
عشان حبيت جديد يا برو.
انتفض عاصم بسرعة وقال معترضًا
حب إيه بس يا عم! أنا اللي فيا مكفيني.
ضحك مهاب، وقرر أن يغيّر الحديث، فقال وهو يهز رأسه
حصل حتة موقف النهارده كان هيموتني من الضحك.
رفع عاصم رأسه، وقد انفردت ملامحه لأول مرة منذ حضوره، وقال
إيه؟
بدأ مهاب يحكي له ما حدث بينه وبين سارة، عندما أسقطت حقيبة المستلزمات الطبية.
وما إن انتهى، حتى انفجر عاصم في الضحك، وقهقه بصوت عالٍ، وهو يقول
مش متخيلك وإنت بتكلمها بمنتهى الجدية والوقار!
ضحك مهاب هو الآخر وقال
أومال لما تشوفني وأنا بقولها آخر مرة... هتقول إيه؟
استمر الاثنان في المزاح لبعض الوقت، واستعادا كثيرًا من الذكريات القديمة، حتى قطع رنين هاتف عاصم حديثهما.
أخرج الهاتف من جيبه، وأجاب سريعًا.
جاءه صوت أحد رجاله من الطرف الآخر، وهو يقول
وصلتني معلومات... غالية راحت عند أدهم في القسم.
عادت الأحداث إلى غالية، التي كانت تجلس في منزلها شاردة الذهن، حين دوى طرقٌ خفيف على الباب.
نهضت لتفتحه، لتجد سارة تقف أمامها وهي تحمل صينية عليها إبريق شاي وبعض قطع الكيك.
قالت بمزاح
أوعي بقى، الشاي سخن... دخليني يا دكترة.
ضحكت غالية وهزت رأسها باستسلام، ثم تنحت جانبًا لتفسح لها الطريق.
دخلت سارة إلى غرفة المعيشة، واتجهت مباشرة نحو الطاولة التي أمام الشاشة، ثم وضعت الصينية وبدأت ترتب الأكواب والكيك بعفوية، وكأنها في منزلها.
ابتسمت غالية وهي تراقبها، لكن ابتسامتها اختفت فجأة عندما لاحظت سارة تضع يدها فوق فمها، وعيناها متسعتان في صدمة، تحدقان في شاشة الحاسوب المحمول الخاصة بغالية.
التفتت سارة إليها، وقد اغرورقت عيناها بالدموع.
في تلك اللحظة، أدركت غالية ما الذي رأته.
لم تستطع أن تتمالك نفسها، فامتلأت عيناها هي الأخرى بالدموع.
لم تنطق سارة بكلمة، بل اندفعت نحوها واحتضنتها بقوة، وما إن ضمتها إليها حتى انفجرتا معًا في البكاء.
ارتفع صوت بكائهما، وكأن كل واحدة منهما كانت تُخرج ما اختزنته في صدرها منذ سنوات.
وبعد دقائق طويلة، هدأتا قليلًا.
أجلست غالية سارة على الأريكة، ثم أحضرت لها كوبًا من الماء، وجلست بجوارها وهي تفرك يديها بتوتر، قبل أن تمد يدها وتغلق الحاسوب المحمول.
قالت سارة بصوت مرتعش
هو اللي أنا شوفته ده بجد؟ يعني أسماء الناس دي بجد؟ الناس اللي عاملة لنا فيها شريفة، ورجال أعمال، وأصحاب جمعيات خيرية؟
اكتفت غالية بهز رأسها في صمت، مؤكدة كلامها.
سألتها سارة باهتمام
والحاجات دي جتلك إزاي؟ عرفيني.