جريمه في عماره 6 الفصل الثالث عشر

جريمه في عماره 6 الفصل الثالث عشر للكاتبه بيري النجار

لمحة نيوز

عقدت حاجبيها في دهشة، بينما تابع حديثه:

ـ انتي كنت ممكن تعملي حاجه اكبر من وراء عدم سؤالك او طلبك للمساعده هنا اللي مش عارفه تسالي عليه و اللي مالكيش فيه متتدخليش فيه.

خفضت عينيها في خجل، وهمست:

ـ حاضر... مش هتتكرر.

اقترب من المكتب، ثم فتح أحد الأدراج، وأخرج بطاقة تعريف جديدة ووضعها أمامها.

ـ من النهارده هتتدربي مع الممرضة ألفت... اسمعي منها، واتعلمي، واسألي لو مش فاهمة حاجة. محدش اتولد بيعرف يشتغل.

رفعت رأسها إليه، وقد اختفى جزء كبير من خوفها، وقالت بابتسامة خجولة:

ـ شكرًا يا دكتور.

أشار بيده نحو الباب.

ـ اتفضلي على شغلك.

أومأت برأسها سريعًا.

ـ حاضر.

خرجت من المكتب وهي تزفر بارتياح، فقد دخلته وهي تتوقع أن تُفصل من أول يوم، لكنها خرجت وهي تشعر باحترامٍ أكبر لذلك المدير الذي لم يرفع صوته، ومع ذلك جعلها تدرك خطأها دون أن يهينها.

أما مهاب...

فوقف ينظر إلى الباب الذي أغلقته خلفها، ثم تمتم بصوتٍ خافت:

"واضح إنها هتتعبنا... بس شكلها شاطرة و عمليه بس محتاجه تشتغل علي نفسها."

ثم عاد إلى ملفات مرضاه، وكأن شيئًا لم يكن.

************

استفاقت ليان من إغمائها ببطء، وهي تشعر بثقل في رأسها، ثم اعتدلت جالسة وهي تنظر حولها في حيرة. لم تستوعب أين هي، ولا كيف وصلت إلى ذلك المكان.

نهضت مترددة، وفتحت باب الغرفة بخفة، فتسللت إلى أنفها رائحة طعام شهي، امتزجت بصوت القرآن الكريم الذي يملأ أرجاء المنزل بسكينة غريبة، لم تختبر مثلها من قبل.

تقدمت ببطء حتى وقعت عيناها على حسين وسهير، يجلسان معًا يتبادلان المزاح والضحكات، وكأن السنوات لم تمر عليهما، وكأنهما ما زالا في مقتبل العمر، لا رجل تجاوز الستين ولا امرأة تخطت الخمسين.

تنحنحت بخجل وقالت:

صباح الخير.

التفتا إليها في اللحظة نفسها، وارتسمت على وجهيهما ابتسامة دافئة.

قال حسين مبتسمًا:

صباح الخير يا بنتي.

وأضافت سهير بحنان:

صباح الفل يا قمر... يلا خشي اغسلي وشك وتعالي، أنا بحضر الفطار ونفطر سوا.

ازداد خجلها، وقالت بخفوت:

لا... شكرًا، أنا نازلة.

عقد حسين حاجبيه وقال بحزم:

مفيش الكلام ده. أدهم جابك يبقى تستني لما يجي.

ابتسمت سهير وهي تنظر إليها بحنان وقالت:

سمعتي عمو حسين قال إيه؟ يلا يا حبيبتي.

لم تجد ليان ما تقوله، فأومأت برأسها، ثم دخلت لتغسل وجهها، وعادت بعد دقائق لتجد المائدة قد امتلأت بأصناف الطعام.

جلست في طرف المقعد، شديدة الخجل، ولم تستطع أن تأكل سوى بضع لقمات.

ابتسمت لها سهير وقالت:

يلا على البلكونة... عشان عمو حسين بيعمل أحلى فنجان قهوة في الدنيا.

ابتسمت ليان ابتسامة خجولة، ونهضت معها.

جلس الثلاثة في الشرفة، يحتسون القهوة، وانساب الحديث بينهم ببساطة وعفوية، حتى شعرت ليان للمرة الأولى منذ سنوات بأنها ليست مضطرة للدفاع عن نفسها أو الحذر من كل كلمة.

مر الوقت سريعًا، حتى ارتفع أذان المغرب.

كانت سهير قد دخلت إلى المطبخ لتحضير الغداء، وأصرت ليان على مساعدتها، فبدأتا تعملان معًا وسط حديث متقطع وضحكات خافتة.

وفي تلك الأثناء، انفتح باب الشقة.

دخل أدهم، فاتجه أولًا إلى والدته، وقبّل رأسها، ثم ألقى السلام على ليان ببرود معتاد، قبل أن يتجه إلى الشرفة حيث يجلس والده.

جلس بجواره وقال مبتسمًا:

عامل إيه يا حج؟

نظر إليه حسين باستنكار مصطنع وقال:

حج في عينك! ده أنا أصبى منك.

ضحك أدهم ضحكة خفيفة.

سأله حسين:

مالك يا سيادة المقدم؟

تنهد أدهم وقال:

الدنيا ملخبطة على الآخر يا بابا.

ليه كده؟

ألقى نظرة سريعة نحو المطبخ، حيث كانت ليان تساعد سهير، ثم قال بصوت منخفض:

طلعت غلبانة... وفعلاً أمير ابن اللواء حاول... وهي ضربته، راح عامل لها محضر. ابن الـ**** عايزها تتحبس على و****.

قطب حسين حاجبيه وقال باشمئزاز:

ناس مقرفة.

قال أدهم وهو ينظر إلى والده بعاطفة واضحة:

ملهاش حد غير أمها وأخواتها البنات الأصغر منها... مفيش حد يصرف عليهم غيرها. نعمل إيه دلوقتي يا بابا؟

رفع حسين بصره نحو المطبخ.

كانت سهير تحتضن ليان وهي تمازحها، بينما وقفت الأخيرة في خجل واضح، ثم استسلمت لذلك الحضن وأغمضت عينيها للحظة، وكأنها تتشبع بذلك الحنان الذي حُرمت منه طويلًا.

ابتسم حسين وقال:

هنسيبها تشتغل هنا يا أدهم... تساعد أمك في البيت.

نظر إليه أدهم مترددًا وقال:

متأكد يا بابا؟

أجابه بثقة:

مش إنت اتحريت عنها؟ يبقى خلاص... كله تمام. سيبها تساعد أمك.

هز أدهم رأسه موافقًا وقال:

يبقى تمام... على خيرة الله.

بعد قليل، أعلنت سهير أن الطعام أصبح جاهزًا.

اجتمع الأربعة حول المائدة.

كانت ليان تعبث بالشوكة داخل طبق الأرز، دون أن تكاد تأكل شيئًا.

قال أدهم، وهو ينظر إلى طبقه:

أمير عملك محضر.

شهقت ليان بقوة، فسقطت الشوكة من يدها داخل الطبق، وشحب وجهها وهي تقول:

بتقول إيه؟ يعني... يعني أنا... أنا هتحبس؟

أجابها ببرود:

تقريبًا... يا إما تدفعي التعويض.

انهمرت دموعها فجأة، وقالت وهي تضع يدها على عينيها:

أجيب منين بس؟

راقبها حسين بنظرة حادة، ثم التفت إلى ابنه، وأشار إليه بعينيه أن يكفي.

وفي المقابل، كانت سهير قد بدأت تبكي معها، وهي تربت على ظهرها قائلة:

ما تخافيش يا حبيبتي... محلولة والله... متعيطيش.

ثم نظرت إلى أدهم بغضب وقالت:

اتصرف يا أدهم! يبقى هو غلطان وبجح كمان!

قال وهو يراقب ردود فعل ليان باهتمام:

والله يا ماما... محدش فوق القانون.

رفعت ليان رأسها إليه، وعيناها تمتلئان برجاء موجع، وقالت:

أدهم باشا... أنا مش معايا...

مسحت دموعها بسرعة، ثم أكملت بصوت مرتجف:

ومقدرش أتحبس... أمي وأخواتي يتشردوا والله.

ظل ينظر إليها للحظات، ثم قال بهدوء:

خلاص... متعيطيش. أنا حلتها من الصبح أصلًا.

رفعت رأسها بسرعة، ولمعت عيناها بفرحة طفولية بريئة، وقالت:

ونبي؟ قول ونبي؟

ابتسم لأول مرة ابتسامة واضحة وقال:

قولت خلاص.

نهضت سهير فورًا واحتضنتها، فبادلتها ليان الحضن وهي ما تزال جالسة، وجسدها كله يرتجف من شدة الانفعال.

قال حسين بهدوء:

بصي يا بنتي... بدل ما تتمرمطي في بيوت إنتِ متعرفيش ناسها، إنتِ عرفتينا. يبقى إحنا أولى ببنوته شاطرة ومحترمة زيك.

نظرت إليه بتأثر شديد وقالت:

مش هينفع يا عمو... والله أنا لازم أرجع لأمي وأخواتي.

ابتسمت سهير وربتت على يدها وقالت:

ترجعي... محدش قال لأ. بس إنتِ هتقعدي معايا. ربنا مأردش ليا إني أجيب عيال تاني، وأنا اعتبرتك بنتي خلاص. يبقى تروحي لأهلك، وتقولي لهم إني لقيت شغل جديد، وتقعدي معانا.

قالت ليان بخجل بالغ:

ماينفعش أقعد معاكم... أمي مش هتوافق... عشان الأستاذ أدهم.

ارتسمت على وجه أدهم ابتسامة إعجاب صامتة بتربيتها واحترامها، ثم قال مازحًا:

لو عليّا متقلقيش يا ستي... أنا برجع على النوم، ومش عايز ألمحك في الوقت ده برا أوضتك.

احمر وجهها خجلًا، وأطرقت برأسها وهي تقول:

حاضر.

ساد الصمت للحظة، بينما ارتسمت ابتسامة راضية على وجهي حسين وسهير.

ولم يكن أحد منهم يعلم أن الأيام المقبلة كانت تخبئ لهم ما لم يخطر ببال أحد.
 


 

تم نسخ الرابط