جريمه في عماره 6 الفصل الثالث عشر
جريمه في عماره 6 الفصل الثالث عشر للكاتبه بيري النجار
ما إن غادرت غالية قسم الشرطة، حتى استوقفت سيارة أجرة، وانطلقت بها في طريقها إلى الجامعة.
وبمجرد أن تحركت السيارة من مكانها، كانت هناك سيارة أخرى تقف غير بعيد، وما إن ابتعدت سيارة الأجرة بضعة أمتار، حتى تحركت خلفها بهدوء، محافظةً على مسافةٍ آمنة، وكأنها لا تريد سوى ألا تغيب عن ناظريها.
استمرت السيارة في ملاحقتها طوال الطريق، حتى وصلت غالية إلى بوابة الجامعة.
وفي التوقيت ذاته تقريبًا، كان سيلمان قد وصل هو الآخر.
ما إن وقعت عيناه عليها، حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة بدت طبيعية تمامًا... لكنها لم تبلغ عينيه.
تقدم نحوها بخطوات هادئة، وقال مبتسمًا:
ـ صباح الخير يا غالية.
بادلته الابتسامة وهي ترد:
ـ صباح النور يا دكتور.
سألها باهتمام:
ـ عاملة إيه النهارده؟ كويسة؟... والدكتور خلف أخباره إيه؟
ابتسمت وهي تومئ برأسها.
ـ الحمد لله، كلنا كويسين.
ثم اتجها معًا نحو مبنى المعامل، وصعدا الدرج في هدوء، قبل أن يلتفت إليها قائلًا باستغراب:
ـ هو إنتِ مش المفروض تكوني هنا بدري عن كده؟ إيه اللي أخرك؟
دفعت باب المعمل، ثم وضعت حقيبتها فوق أحد المقاعد، وارتدت المعطف الأبيض، قبل أن تضع النظارة الواقية الخاصة بالتجارب، وأجابته ببساطة:
ـ عديت على المقدم أدهم في القسم.
في اللحظة نفسها...
تجمدت ملامح سيلمان لجزءٍ من الثانية، وانزلقت من بين أصابعه الأسطوانة الزجاجية التي كانت تحتوي على أحد المحاليل، لترتطم بالطاولة وتنقلب، فينسكب جزءٌ من محتواها فوق ملابسه.
التفتت إليه غالية بسرعة وقد بدا القلق واضحًا على وجهها.
ـ في إيه؟ حصلك حاجة؟... المحلول جه على هدومك.
ابتلع ريقه بصعوبة، وحاول أن يخفي اضطرابه، ثم قال على عجل:
ـ لا... لا، مفيش حاجة... أنا هروح الحمام.
ولم ينتظر ردها، بل استدار وغادر المعمل بخطواتٍ متسارعة، تاركًا خلفه غالية تحدق في أثره باستغراب، فقد بدا لها أن الأمر أكبر بكثير من مجرد محلول انسكب فوق ثيابه.
أغلق سيلمان باب الحمام خلفه بسرعة، ثم وضع يديه على حافة الحوض وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة.
رفع رأسه إلى المرآة، وقد بدت الصدمة واضحة على ملامحه.
همس لنفسه بصوتٍ خافت:
"أدهم... هي راحت له ليه؟"
أخرج هاتفه بسرعة، وظل ينظر إلى الشاشة لثوانٍ قبل أن يتردد.
كتب رسالة قصيرة...
"قابلت المقدم أدهم النهارده."
توقف إصبعه فوق زر الإرسال.
ظل للحظات يفكر، ثم حذف الرسالة كاملة، وأغلق الهاتف وهو يضغط على فكيه بقوة.
غسل يديه بالماء البارد عدة مرات، محاولًا أن يستعيد هدوءه، ثم رسم على وجهه ابتسامته المعتادة، وكأن شيئًا لم يحدث.
خرج من الحمام بهدوء.
كانت غالية قد انتهت من تجهيز الأدوات، فابتسمت له قائلة:
• خير؟ قلقتني عليك.
ابتسم ابتسامته الهادئة المعتادة وقال:
• ولا أي حاجة... بس الإزازة فلتت من إيدي.
نظرت إليه للحظات، فقد شعرت أن ملامحه متغيرة قليلًا، لكنها لم تُعلّق.
وفي الخارج...
كانت السيارة التي تبعت غالية منذ خروجها من القسم ما تزال متوقفة أمام بوابة الجامعة.
جلس السائق خلف المقود، بينما أخرج الرجل الجالس بجواره هاتفه، والتقط عدة صور لغالية وهي تدخل مبنى المعامل برفقة سيلمان.
ثم أجرى اتصالًا سريعًا.
• أيوه يا باشا... البنت دخلت الجامعة... وفي واحد معاها... شكله قريب منها.
ساد الصمت لثوانٍ، بينما كان يستمع لما يُقال في الطرف الآخر.
ثم أجاب باحترام:
• حاضر... هنفضل مراقبينها... ومش هتحس بينا.
أنهى المكالمة، وظلت السيارة في مكانها، وكأنها مجرد سيارة عادية متوقفة أمام الجامعة.
*********
في الجهة الأخرى...
داخل المستشفى الاستثماري الخاصة بمهاب، كان يقف في قسم النساء والتوليد، محاطًا بعددٍ من الأطباء والممرضات الجدد، يتابع بنفسه أول أيام تدريبهم.
وقف الجميع في حالةٍ من التركيز، بينما كان يشرح لهم نظام العمل داخل القسم، وآلية التعامل مع الحالات، والتنقل بين الغرف، وسط ازدحامٍ طبيعي سببه كثرة المتدربين.
وفجأة...
دوّى صوت ارتطامٍ قوي، تبعه صوت تحطم أدواتٍ معدنية وزجاجية، ليخيّم الصمت على المكان في لحظة.
التفت مهاب نحو مصدر الصوت بملامح جامدة.
فوقعت عيناه على فتاةٍ قصيرة القامة، قمحية البشرة، ترتدي زي التمريض بعنايةٍ شديدة، وحجابها مرتب، وتبدو على ملامحها علامات الارتباك الواضحة، بينما كانت حقيبة الأدوات الطبية قد انقلبت من بين يديها، وتناثرت محتوياتها على الأرض.
ومن مظهرها، كان من السهل أن يدرك أنها ممرضة جديدة.
تقدمت إحدى الممرضات الأكبر سنًا، وقد بدا الغضب واضحًا على وجهها، واستعدت لتوبخها أمام الجميع.
لكن صوت مهاب سبقها، حازمًا وقويًا.
ـ سيبيها يا ألفت.
توقفت ألفت في مكانها فور سماع أمره، بينما رفعت سارة رأسها إليه بتوتر، وهي تعض على شفتيها في خجل.
ثبت مهاب نظره عليها لثوانٍ، ثم قال بصوتٍ هادئ لا يقبل النقاش:
ـ وإنتي... ورايا على المكتب.
ثم استدار وغادر المكان بخطواتٍ ثابتة، بينما بقيت سارة واقفة للحظة، تنظر إلى الأدوات المبعثرة أمامها، وقد اختلط الخوف بالإحراج على ملامحها، قبل أن تنحني سريعًا لتجمعها، ثم أسرعت خلفه وقلبها يخفق بعنف، وهي لا تعلم ما الذي ينتظرها داخل مكتبه.
طرقت سارة باب المكتب بخفة، وقد كانت أناملها ترتجف من شدة التوتر.
جاءها صوته من الداخل، هادئًا كعادته:
ـ ادخلي.
دفعت الباب ببطء، ثم دخلت وهي تُخفض رأسها، وأغلقت الباب خلفها في هدوء.
كان مهاب يقف أمام النافذة، وقد عقد ذراعيه أمام صدره، قبل أن يستدير إليها بنظرةٍ ثابتة.
ظل صامتًا لثوانٍ، بينما ازدادت ضربات قلبها، وظنت أنه على وشك أن يوبخها كما يفعل كثير من المديرين.
ابتلعت ريقها وقالت بسرعة:
ـ أنا آسفة يا دكتور... والله ما كان قصدي، الشنطة كانت تقيلة و وقعت من إيدي.
لم يجبها.
بل ظل ينظر إليها وكأنه يقرأ ملامحها.
ثم قال بهدوء:
ـ اسمك؟
رفعت عينيها إليه وقالت بتردد:
ـ سارة.
ـ اسمك بالكامل.
ـ سارة أحمد.
أومأ برأسه وهو يلتقط ملفًا من فوق مكتبه، ثم فتحه وألقى نظرة سريعة على الأوراق.
ـ أول يوم ليكي؟
هزت رأسها بالإيجاب.
ـ أيوه.
أغلق الملف ووضعه مكانه، ثم سألها:
ـ اتخرجتي منين؟
ـ من كلية التمريض... ولسه متعينة من كام يوم.
عاد الصمت بينهما مرة أخرى.
أما سارة، فكانت تقف في مكانها وهي تضم كفيها إلى بعضهما البعض، تنتظر العقوبة.
وفجأة...
قال مهاب بنبرة هادئة:
ـ عارفة الغلطة اللي عملتيها؟
أسرعت بالإجابة:
ـ أيوه... وأنا مستعدة أتحمل أي جزاء.
هز رأسه نافيًا.
ـ لأ... مش علشان وقعتي الشنطة.
رفعت رأسها إليه باستغراب.
فأكمل وهو ينظر إليها مباشرة:
ـ الغلطة إنك شيلتي شنطة أدوات انتي مش عارفه هي بتاعت مين ولا هتقدري تشليها ولا لاء