غرام المغرور الفصل السابع و العشرون
غرام المغرور الفصل السابع و العشرون نسمة مالك
صمت قليلًا يلتقط أنفاسه، وتابع بغصة مريرة، وصوت يملؤه الأسى..
"كل دا بسبب أمي اللي عايزة تخلص عليا وتورثني.. فضلت فترة كبيرة في غيبوبة، ولما فوقت عرفت من خديجة إن غفران مسبنيش، وفضل هو الحارس بتاعي لحد ما خرجت من المستشفى، وبقى صاحبي الوحيد من وقتها."
اعتدلت "إسراء" في جلستها، وربتت على ظهره برفق متمتمة..
"ممكن متفكرش في اللي فات تاني، وخلينا نفكر سوا في اللي جاي."
أمسك يدها مرددًا..
"ممكن جدًا يا بيبي.. بس قوليلي الأول كنتي عايزة تطلبي مني إيه؟!"
توقفت إسراء لحظة، ثم قالت بخجل..
"بطل تكسفني يا فارس، وخليني أقولك أنا عايزة إيه."
أبعد يديها عن وجهها، ورسم الجدية على ملامحه مردفًا..
"طيب قوليلي عايزة إيه الأول علشان أكلم الطيار يستعد، وييجي ياخدنا."
ترقرقت عيناها بالعبرات، وتحدثت بتنهيدة حزينة قائلة..
"مش هينفع نقضي شهر عسل.. كدة ممكن خبر جوازنا يوصل لخطيبتك وأبوها، ويحصلك مشاكل بسببي."
"إنتي بتقولي إيه يا بيبي.. أنا النهارده هعلن جوازنا للدنيا كلها."
قالها "فارس" ببعض الحدة، لتسرع "إسراء" قائلة بلهفة..
"لا يا فارس علشان خاطري بلاش تتسرع، ولو عليا أنا فأهلي اللي هي أمي عارفة بجوازي منك وراضية، ومامتك وعمتك عارفين، ميهمناش حد تاني يعرف خصوصًا لو هيعملنا مشاكل.. أرجوك اسمعني وافهم قصدي من اللي هقوله."
"اسمع إيه يا إسراء ها.. عايزة تقوليلي اتجوز ديمة مش كدة؟"
قالها "فارس" بغضب، وقد ارتفع صوته فجأة.
حجظت عينيها وهي تطلع به بذهول مدمدمة..
"أنت عرفت إزاي؟!"
.......................
"إيمان".
تنظر لزوجها بفرحة غامرة، وتحدثت بلهفة..
"بجد يا تامر.. هتوديني أزور إسراء وخالتي إلهام؟!"
ابتسم لها "تامر"، ومد يده حمل الصغير منها وتحدث وهو يقبل وجنتيه الممتلئة بحب..
"اممم هنروح أنا وانتي والباشا محمود نشوف البرنسيسة إسراء الصغيرة، وهناخدها معانا، ونروح نزور أبوها الله يرحمه علشان النهارده السنوية بتاعته."
ربتت "إيمان" على كتفه مرددة..
"الله يرحمه ويغفر له يارب.. تعيش وتفتكر يا حبيبي."
أخرج "تامر" علبة صغيرة قطيفة من اللون النبيذي من جيب سرواله، وأعطاها لزوجته مغمغمًا..
"أنا جبت الحلق دا لبنت أخويا.. إيه رأيك فيه؟"
فتحت "إيمان" العلبة بفرحة حقيقية، وتحدثت بصدق..
"الله يا تامر.. ذوقك جميل أوي."
ابتسمت له وأضافت..
"ربنا يراضي قلبك زي ما بتراضي اليتيم يا حبيبي."
"يعني مش زعلانة علشان مجبتلكيش السلسلة اللي كان نفسك فيها؟!"
قالها "تامر" بنبرة حانية.
حركت "إيمان" رأسها بالنفي سريعًا..
"لا والله مش زعلانة.. أنا عمري ما أزعل منك أصلًا يا تامر."
"وأنا عمري ما أخلي حاجة في نفسك ومجبهاش يا أم محمود."
أردف بها وهو يخرج قلادة رقيقة من الذهب بها أول حرف من اسمه، واسم الصغير، واسمها هي أيضًا.
قفزت "إيمان" من شدة فرحتها، وتعلقت برقبته وهي تردد بسعادة..
"يا حبيبي يا تامر ربنا ميحرمنيش منك، ولا من ابننا أبدًا يارب."
"تامر" وهو يعانقها بحب..
"طيب يلا بقى اجهزي بسرعة علشان نلحق أم إسراء قبل ما تسافر مع جوزها."
"هي إسراء هتسافر؟!"
قالتها "إيمان" بتساؤل.
أجابها "تامر" بابتسامة زائفة..
"أيوة جوزها بيقولي مسافرين في شغل.. بس شكلهم كدة تقريبًا رايحين يقضوا شهر عسل."
...........................
"خديجة".
تجلس أمام المرآة تتأمل ملامحها بأعين تملؤها العبرات.. لا تعلم كيف مر قطار العمر بسرعة البرق.. لم تدرِ متى أصبحت بسن الثامنة والأربعين، ولكنها تحافظ على جمالها ورونق إطلالتها باهتمام شديد لتظهر بمظهر أصغر من عمرها وتثبت أن العمر ما هو إلا مجرد رقم.
لا زالت تتذكر الليلة الأولى التي رأت بها "فارس" الذي لم يكن عمره سوى بضعة أيام فقط، وهي لم تتم عامها الخامس عشر.
منذ الوهلة الأولى التي وقعت عيناها عليه تعلقت روحها به، وأصبح شغلها الشاغل حتى أثناء دراستها.
تقدم لخطبتها الكثير من الشباب، ولكنها فضلت "فارس" عليهم جميعًا بعدما أصبحت هي بالنسبة له عائلته الوحيدة، وهو الحياة بالنسبة لها.
أما الآن فقد اختلف الوضع بظهور "إسراء" التي أصبحت شخصًا مهمًا في حياته. لم تكن تتخيل أن تصل شدة تعلقه بها إلى أن يأخذها معه حتى في عمله.
انبلجت شبه ابتسامة على ملامحها رغم عبرتها التي هبطت على وجنتيها ببطء متمتمة بمشاعر صادقة..
"ربنا يسعدك يا فارس."
انتفض قلبها بفزع فجأة، وهبت واقفة وركضت نحو شرفة غرفتها تنظر لما يحدث بأعين منذهلة حين رأت الكثير من السيارات تسير لداخل القصر.
"إيه اللي بيحصل دا؟!"
قالتها وهي تهرول لخارج الغرفة متجهة نحو الدرج ومن ثم لباب القصر الداخلي.
تسارعت نبضات قلبها بقوة حين استمعت لجرس الباب يصدع مرارًا وتكرارًا.. على الرغم أنها تقف خلف الباب، ولكن يدها لم تسعفها بفتحه عندما رأت عبر الزجاج العاتم خيال من يقف أمامه.
قلبها يخبرها أن اليوم سيحدث شيء لم تكن تتوقع حدوثه أبدًا.
"افتح الباب يا خديجة هانم؟!"
أردفت بها إحدى العاملات جعلت "خديجة" تنتبه لحالها، وأخذت نفسًا عميقًا، ومدت يدها وفتحت الباب.
لتقع عيناها على رجل فاره الطول.. يقف بشموخ وهيبة تليق به كثيرًا.
رفعت عينيها ببطء حتى وصلت لوجهه وتقابلت أعينهما للمرة الأولى، فتسارعت نبضات قلبها أكثر، وتدفقت الدماء نحو وجنتيها وهي ترى ملامحه الصارمة والوسيمة رغم شعره الذي يغلب عليه الشيب، ولكنه زاد من هيبته.
"مساء الخير يا فندم."
قالها الرجل بلهجة جادة، وحادة بعض الشيء.. رمقته "خديجة" بنظرة متعجبة مغمغمة..
"مساء النور.. أفندم؟!"
لم يبتسم لها ابتسامة مجاملة حتى، وأجابها بنفس نبرته التي ازدادت حدة قليلًا..
"أنا هاشم الرفاعي رئيس الحرس اللي بعته المقدم غفران المصري."