غرام المغرور الفصل الرابع عشر
غرام المغرور الفصل الرابع عشر نسمة مالك
البارت الرابع عشر
غرام المغرور..
✍️ نسمه مالك ✍️
..قناعة!!..
ركضت "إسراء" مبتعدة عن باب الغرفة تبحث عن مخرج آخر تحت أنظار "فارس" المندهشة من رد فعلها.
"أهدي يا بيبي، دا أنتي مرات فارس الدمنهوري، يعني متخفيش من أي حاجة ولا أي حد".
أردف بها "فارس" وهو يسير نحو الباب الذي لم تتوقف خطيبته "ديمه" عن الطرق عليه، وهم بفتحه. هرولت إليه "إسراء" وتمسكت بكف يده، وجذبته بعيداً عن الباب وتحدثت بصوت يكاد يكون مسموعاً:
"يا بيه محدش يعرف أني مراتك، وخطيبتك لو عرفت أكيد هتنقهر وأنا ميرضنيش أكون سبب في قهرة ست زيي، وكمان مش عايزة حد يبصلي بصه مش كويسه.. فخليني أخرج من غير ما حد يشوفني وخصوصاً خطيبتك اللي مفحومة من العياط برة دي".
لم تجد منه رداً على حديثها، فقد ظل ينظر لها مبتسماً. ضيقت عينيها ونظرت له باستغراب، ثم انتبهت لحالها وأنها هي من تمسك بيده، فأسرعت بسحب يدها منه وتابعت بنفاذ صبر:
"في زفت باب تاني أخرج منه؟!"
"خليكي معايا.. متخرجيش".
همس بها "فارس" بنبرة راجية.
حركت "إسراء" رأسها بالنفي، وبصوت متردد همست:
"بحلفك بالله سبني أخرج.. أنا مش هستحمل أكون سبب في كسر خاطر حد.. كسرة الخاطر بتجلب المخاطر".
دموعها أجبرته على الخضوع لطلبها على مضض. نفخ بضيق، وهو يحرك رأسه لها بالإيجاب، ثم أشار لها أن تتبعه وسار بها نحو مرآة كبيرة معلقة على إحدى جدران الغرفة. ضغط على جزء منها فتحركت من مكانها، لتتسع عينا "إسراء" حين ظهر باب سري يؤدي إلى حمام الغرفة الذي خصصه لها.
رمقته بنظرة حارقة، وضربت الأرض بقدميها بغيظ وهي تخطو لداخل الحمام، وهمست من أسفل أسنانها:
"المراية دي بتظهر اللي في الحمام من عندك مش كده؟!"
ابتسم "فارس" وهو يحرك رأسه لها بالإيجاب، وببراءة مصطنعة تحدث:
"بس اطمني يا بيبي أنا ماكنتش ببص علي حد غيرك أنتي بس".
"أبو سفالتك يا أخي.. اقفل الزفت دا".
أردفت بها "إسراء" بغيظ وهي تمسك بإحدى زجاجات سائل الاستحمام وتقذفه بها، لكنه تفاداها بمهارة، ثم أغلق المرآة مرة أخرى ليظهر الباب على هيئة مرآة.
"كان بيراقبني وأنا في الحمام، الوقح اللي ماشفش تربية دقيقة واحدة".
تمتمت بها لنفسها وهي تسير لخارج الحمام، لتقفز بفزع حين شهقت والدتها بقوة مرددة بذهول:
"بسم الله الرحمن الرحيم.. بت يا إسراء أنتي طلعتي منين يابت؟!"
لمحت على ثيابها آثار دماء فتابعت بخوف ولهفة:
"وأيه الدم اللي على هدومك دا يا بنتي؟!"
اقتربت منها "إسراء" وارتمت في عناقها وتحدثت بهدوء قائلة:
"متخفيش يا ماما.. دا مش دمي.. دا دم فارس زفت بيه السافل".
ضربت "إلهام" على صدرها بكف يدها، وببكاء قالت:
"يالهوي يا إسراء؟! ليه كده يا بنتي.. حصل له إيه؟!"
ربتت "إسراء" على يدها بحنان وتحدثت بصوت عالٍ قليلاً:
"ياااا مامااااا، ما تخافيش بس.. هو في أوضته".
بكت باصطناع وأكملت محدثة نفسها:
"رغم إنه يستاهل والله، عمال يقولي يا بيبي وطلع وقح وبيبص عليا وأنا بعمل بيبي".
عانقتها "إلهام" بحب وتحدثت بتساؤل:
"طيب فهميني إيه اللي حصل، وشكلك معيطه ليه يا قلب أمك؟!"
تمسكت بها "إسراء" بكل قوتها، وبدأت تبكي بنحيب مرددة من بين شهقاتها:
"بنتي ورامي واحشوني أوي يا ماما".
بكت "إلهام" لبكائها، وباشتياق قالت:
"ومين سمعك.. البت بنتك واخده قلبي معاها يا إسراء.. ربنا يردها لحضنك يا ضنايا، ويبرد قلبك ويعوضك خير عن كل الوجع اللي شوفتيه في حياتك يا بنتي".
"مافيش حاجة تعوضني عن رامي أبو بنتي وحب عمري يا ماما".
همست بها وهي تعتدل جالسة ونظرت لوالدتها، وتابعت بتنهيدة حزينة:
"انتي عارفة يا ماما برغم إن رامي كان على قده في كل حاجة بس كانت راحة البال والرضا والقناعة ملين حياتنا بركة".
دارت بعينيها للغرفة الفخمة التي تفوق منزلها اتساعاً وضحكت ساخرة:
"شوفي فارس بيه دا عايش في قصر عامل إزاي وعنده حرس قد إيه، وجاي من شوية بعد ما ناس اعتدوا عليه".
"إلهام": "لا حول ولا قوة إلا بالله.. ليه يعملوا فيه كده بس؟"
أجابتها "إسراء" بأسف:
"بيقول عنده أعداء عايزه تقتله.. أهو اللي زي دا تلاقيه مبينمش، ولا عمره عرف يعني إيه راحة البال رغم كل فلوسه ونفوذه دي كلها".
نظرت لها "إلهام" وابتسمت بعبث وتحدثت بجدية مصطنعة:
"هو صحيح جريء شويتين تلاتة، بس تصدقي صعب عليا يا بت يا أم إسراء، وشكله كده هيصعب عليكي أنتي كمان وقلبك هيميل".
هبت "إسراء" واقفة ومسحت عبراتها وسارت نحو باب الغرفة وهي تقول بثقة:
"قلبي أنا قفلته، وعمره ما هيميل لحد بعد رامي الله يرحمه".
أنهت جملتها، وفتحت الباب وتابعت:
"أنا هروح أكمل شغلي في المطبخ وهطلعلك على أذان المغرب علشان أساعدك تتوضي.. ادعيلي من قلبك يا ماما بنتي ترجع لحضني".
رفعت "إلهام" يدها للسماء وبدأت تدعو من صميم قلبها مرددة:
"ربنا يلم شملك أنتي وبنتك، ويريح قلبك ويسعدك ويرزقك الفرح والهنا مع اللي يستحقك يا إسراء يا بنتي".
بينما تسير "إسراء" الباكية تنظر لفخامة القصر حولها وتتذكر شقتها الصغيرة وزوجها الخلوق.
رغم أنه لم يكن أفضل من غيره، ولكنه جعلها تملك قناعة قوية تجعلها ترفض مقارنته بأحد.
بنظرها السعيد من راض نفسه على الواقع والتمس أسباب الرضا والقناعة حيثما كان.
فالقناعة خير من الغنى. في العالم كثيرون ممن يبحثون عن السعادة وهم متناسين فضيلة القناعة.
فإذا كان هذا الـ"فارس" غنياً بأمواله.. فهي ترى أنها أغنى منه.. يكفي أنها تملك "غنى النفس"، تشعر أنها غنية بنفسها وليس بما تملك.. تستمد قيمتها من نفسها.
فمن لا يرضى بالقليل لا يرضى أبداً.
أغمضت عينيها ببطء لتهبط دمعة حارقة على وجنتيها حين تردد بذهنها جملة كانت تقولها لزوجها دوماً:
"إذا طلبت العِزَّ فاطلبه بالطاعة، وإذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة، فمن أطاع الله عز وجل نصره، ومن لزم القناعة زال فقره".
وقفت أمام باب المطبخ وجففت عبراتها، ورسمت الصرامة والحزم على ملامحها الرقيقة، وخطت للداخل بخطوات ثابتة.
تنقلت بنظرها بين الفتيات العاملات بملابسهن القصيرة للغاية، وتحدثت بجدية وهدوء في آن واحد قائلة:
"الكل يسيب اللي في إيده بعد إذنكم، خليني أخد مقاساتكم لليونيفورم الجديد".
اقتربت منها "صابرين" مديرة المطبخ، وهي ترمقها بنظرات نارية حاقدة وتحدثت بتعالٍ وتكبر:
"وأنتي تبقي مين علشان تاخدي مقاسنا؟!"
"أبقى اسألي اللي مشغلك، وهاتيلي حاجة يا شابة أخد بيها مقاساتكم".
قالتها "إسراء" وهي تربت على كتفها.
"أنتي مش هتعملي أي حاجة قبل ما أسأل فارس باشا بنفسي يا بتاعة أنتي".
قالتها "صابرين" وهي تسير لخارج المطبخ قاصدة جناح فارس.
............................
.. تامر..
يجلس على إحدى المقاهي بعدما ظل يسير لأكثر من ساعتين محاولاً الإفلات من مراقبيه، ولكن جميع محاولاته فشلت.
فقد تفاجأ بأكثر من سيارة تسير خلفه. أخرج هاتفه وطلب أحد الأرقام وانتظر الرد وهو يحدث نفسه بأسف:
"كده مش هعرف أجيلك يا فارس باشا".
"تامر.. أنت فين يا حبيبي؟! طمنيني عليك.. أنت كويس؟!"