غرام المغرور الفصل الثاني
غرام المغرور الفصل الثاني نسمه مالك
— «والله يا خالتي أنا غلبت معاه. أفهمه وأقوله إن موت أخوه دي حاجة بإيد ربنا... بس هو بقى صعب أوي، وأسهل حاجة عنده بقت الضرب.»
رفعت إلهام يدها ومسحت دموعها، ثم ربتت على وجنتيها بحنان وقالت بتعقل:
— «متقفيش قصاده تاني يا بنتي، ولا تجيبيله سيرتنا علشان ما يتخانقش معاكي. ويلا من غير مطرود، ارجعي بيتك ليجي فجأة ويعملك حكاية.»
أمسكت طبق الطعام ومدت يدها به نحو إيمان:
— «وخدي الأكل ده معاكي. أنا وبنتي مش عايزين حاجة من ناحية جوزك غير إنه يسيبنا في حالنا.»
نظرت إليها إيمان بعينين ممتلئتين بالحزن، وقالت بعتاب:
— «كده يا خالتي؟ عايزة ترجّعيني بالأكل وتكسري بخاطري؟»
أجابتها إلهام بنبرة حانية:
— «يا بنتي أنا مش قصدي أكسر بخاطرك... إنتي عارفة إني بعتبرك زي إسراء بنتي، بس مش عايزة أعملك مشاكل زيادة مع جوزك.»
ابتسمت إيمان وقالت بإصرار:
— «لو بتعتبريني زي بنتك فعلًا، يبقى لازم تدوقي عمايل إيديا. واطمني يا خالتي، الأكل ده أنا جايباه من فلوسي اللي أمي بتدهالي لما تيجي تزورني، مش من فلوس جوزي.»
رفعت الخبز عن الطبق، ليظهر أسفله الكثير من الأرز الأبيض وفوقه قطع من اللحم الشهي، ثم بدأت تطعم إلهام بيدها وهي تقول:
— «أنا عارفة إن ليكي علاج ولازم تاكلي الأول قبل ما تاخديه.»
أبعدت إلهام وجهها سريعًا، وربتت على كفها قائلة:
— «تسلمي يا بنتي، بس أنا مليش نفس دلوقتي. هستنى إسراء لما تيجي وناكل سوا. قومي إنتي روحي علشان ما تتأخريش أكتر من كده.»
وضعت إيمان الطعام جانبًا، وظهر الخوف على ملامحها وهي تقول:
— «عندك حق يا خالتي... أنا همشي قبل ما يرجع، والمرادي ممكن يقطم رقبتي.»
ابتسمت لها إلهام وقالت:
— «مع السلامة يا بنتي... ربنا يهدي سرك ويراضيكي بالخلف الصالح يا إيمان يا بنتي. قادر يا كريم.»
— «آمين يا رب.»
أمنت إيمان على دعائها، ثم أسرعت بخطوات متعجلة نحو الخارج.
وما إن أغلقت الباب خلفها، حتى أسرعت إلهام إلى إيقاظ الصغيرة بمنتهى الرفق وهي تقول:
— «قومي يا ضنايا كلي... ربنا عالم بيكي، وبعتلك رزق على ما أمك ترجع يا بنتي.»
احتضنت الصغيرة، بينما هبطت دموعها من جديد، فقد شعرت بقبضة قوية تعتصر قلبها من شدة قلقها على وحيدتها.
— «ربنا يحفظك يا إسراء يا بنتي... ويفرحك بشبابك، ويعوضك عن حزنك وكسرة قلبك يا ضنايا.»
........................................
شركة «فارس الدمنهوري» المتخصصة في صناعة السيارات
داخل عيادة الشركة الخاصة، جلس «فارس» فوق أحد المقاعد، واضعًا ساقًا فوق الأخرى، يتابع الطبيبة وهي تعالج جرح تلك الفتاة التي اقتحمت حياته بطريقة لم يتوقعها، حتى انتهى بها الأمر فاقدة للوعي بين ذراعيه.
رفع عينيه إليها وسأل بلهجته الحادة الصارمة:
— «خلصتي؟»
انتفضت الطبيبة قليلًا من نبرته، ثم أجابت على الفور:
— «أيوه يا فندم، خلصت... جرحها خد ست غرز.»
هبّ واقفًا، ثم سار بخطوات هادئة نحو الفراش، حتى وقف أمامها يتأمل وجهها الشاحب بنظرات جامدة يخفي خلفها دهشته من ملامحها الهادئة.
كانت مختلفة عن كل من قابلهم من قبل.
ملامح بريئة، وعينان واسعتان تحيط بهما أهداب كثيفة، وأنف صغير، وشفتان مرهقتان من الألم.
ظل يتأملها للحظات، قبل أن يلفت انتباهه شيء غريب.
بقع واضحة بدأت تظهر على الغطاء الموضوع فوقها.
قطب حاجبيه وسأل الطبيبة دون أن يبعد عينيه عنها:
— «إيه اللي بيحصل ده؟!»
أجابته الطبيبة بعملية:
— «واضح إنها بترضع يا فندم.»
عقد حاجبيه بدهشة:
— «بترضع؟!»
— «أيوه يا فندم... وده طبيعي يحصل للأم لما طفلها يكون محتاج للرضاعة.»
وقبل أن يرد، جاءه صوت ضعيف من فوق الفراش:
— «فارس بيه...»
همست بها إسراء بصعوبة، وهي تجاهد لفتح عينيها.
وصل صوتها إلى مسامعه، فعاد بنظره إليها.
— «فوقيها.»
قالها فارس للطبيبة بأمر، فأجابته:
— «هي فايقة فعلًا يا فندم. أنا مديالها بنج موضعي، بس عندها هبوط شديد نتيجة قلة الأكل. والمحلول هيساعدها تستعيد وعيها أكتر.»
حرّك رأسه بالإيجاب، ثم أشار للطبيبة ومساعدتها بالانصراف.
خرجتا من الغرفة، وبقي فارس واقفًا أمامها.
وضع يده في جيب سرواله، وظل يراقبها وهي تستعيد وعيها ببطء.
فتحت عينيها، ونظرت حولها بتوتر، قبل أن تستقر عيناها عليه.
— «فارس بيه... من فضلك ساعدني.»
ارتسمت على ملامحه ابتسامة ساخرة، ثم اقترب منها وقال:
— «إممم... يا ترى عايزاني أساعدك في إيه بالظبط يا مدام؟»
جحظت عيناها، وسارعت بالرد:
— «أبعد عني.»
تغيرت ملامحه قليلًا، وقال ببرود:
— «أنا كنت بعيد عنك فعلًا، وأمرت الحرس يبعدوكي لما قربتي مني. لكن إنتي اللي صممتي توصليلي.»
رمقته بغضب، وقالت بأنفاس متلاحقة:
— «إنت بتقول إيه ؟! ابعد عني أحسنلك، بدل ما أصوت وأعملك فضيحة.»
اشتدت ملامحه غضبًا، ثم قال بنبرة حادة:
— «فضيحة؟! إنتي مين يا بت؟ ومين اللي بعتك؟»
حاولت إسراء الابتعاد عنه، لكن جسدها الضعيف لم يساعدها، فرفعت يدها المصابة قليلًا وهي تقول بصعوبة:
— «أنا مرات موظف كان شغال عندك هنا في الشركة... ومات من سبع شهور.»
توقفت للحظة لتلتقط أنفاسها، ثم تابعت بعينين ممتلئتين بالقهر:
— «وجاية أطلب منك تساعدني آخد معاشه علشان أصرف منه على بنتي اليتيمة.»
ثم نظرت إليه مباشرة، وقالت بمرارة:
— «كنت فاكراك بني آدم زينا... بس طلعت غلطانة!»