غرام المغرور الفصل الثاني
غرام المغرور الفصل الثاني نسمه مالك
البارت الثاني
ساحرة!!
بإحدى المناطق الشعبية، داخل منزل قديم، كانت هناك شقة صغيرة للغاية، يبدو الفقر جليًا على أثاثها المتهالك وجدرانها الباهتة.
جلست امرأة في أواخر عقدها الرابع فوق الفراش، تحمل حفيدتها الصغيرة بين ذراعيها.
كانت «إلهام» عاجزة عن تحريك ساقيها منذ سنوات، بعدما تعرضت لحادث أفقدها القدرة على السير، فأصبحت قعيدة الفراش، ولم تستطع حتى شراء كرسي متحرك بسبب ضيق حالها وارتفاع تكاليف علاجها.
انهمرت دموعها على وجنتيها دون توقف، وهي تبكي بحرقة على بكاء الصغيرة التي أخذت تتلوى بين ذراعيها من شدة الجوع.
حاولت تهدئتها بكل الطرق، لكن دون جدوى.
رفعت عينيها إلى السماء، وتمتمت بتوسل:
— «يارب يا حنان يا منان... حنّ على البنت اليتيمة دي، لأجل حبيبك محمد.»
ضمت الصغيرة إلى صدرها بحنان، وتابعت من بين شهقاتها:
— «يا ترى إنتي فين يا إسراء يا بنتي؟! قلبي واكلني عليكي يا ضنايا.»
وكأن سماع اسم والدتها زاد من بكاء الصغيرة، فاشتدت صرخاتها.
راحت إلهام تربت على ظهرها بحنان، وتغمرها بالقبلات في محاولة لإسكاتها ولو قليلًا، لكنها فشلت.
لم تجد أمامها سوى أن تقرأ بعض الآيات القرآنية التي تحفظها، وهي تمسح بيدها على جسد الصغيرة، وقلبها يستجدي المولى عز وجل أن يرحم ضعفها.
وبالفعل، بدأ بكاء الصغيرة يهدأ رويدًا رويدًا، حتى غلبها النعاس، وغرقت في النوم داخل حضن جدتها، واضعة إحدى أناملها الصغيرة في فمها.
تنفست إلهام براحة، وقالت هامسة:
— «الحمد لله إنك نمتي يا بنتي... يارب تفضلي نايمة على ما أمك ترجع بالسلامة وترضعك، ويمكن ربنا يكون رضاها ويجبلك حاجة معاها تبل ريقك يا ضنايا.»
قالتها بتمنٍّ، ثم زادت من ضم الصغيرة إلى صدرها وتابعت بألم:
— «الله يرحم أبوكي... عمره ما حوّجنا لمخلوق من يوم ما خطب أمك. ومن بعد ما راح، وإحنا الدنيا والناس عمالة تلطش فينا شمال ويمين، لحد ما استوينا على الآخر.»
ابتلعت غصتها، ثم تابعت:
— «وأمك المسكينة مش عارفة تفطمك علشان مش لاقية حاجة تاكلهالك يا بنتي... ويا عالم الأيام مخبّيالنا إيه تاني. بس إحنا راضيين بأمرك يا رب... راضيين وصابرين. الحمد لله على كل حال.»
طرقات هادئة على الباب جعلتها تمسح دموعها سريعًا، ثم تسمح للطارق بالدخول بلهفة حتى لا تزعج الطرقات حفيدتها.
— «ادخل... اللي بيخبط الباب مفتوح.»
انفتح الباب، ودخلت فتاة شابة في أوائل العشرينيات، ترتدي إسدال الصلاة، وتحمل بيدها طبقًا مملوءًا بالطعام ومغطى بخبز طازج.
اقتربت من إلهام، ووضعته فوق كرسي صغير بجوار الفراش، ثم قالت بابتسامة بشوشة:
— «السلام عليكم يا خالتي... عاملة إيه النهارده؟»
بادلتها إلهام الابتسامة، ثم قالت بتنهيدة:
— «وعليكم السلام يا إيمان يا بنتي.»
تنقلت عيناها بين إيمان والطعام، ثم تابعت بعتاب:
— «ليه بس التعب ده يا بنتي؟ إحنا مستورين والحمد لله.»
ربتت إيمان على كتفها برفق، ثم مالت على الصغيرة وقبلتها بحب وهي تقول:
— «دايمًا مستورين يا رب يا خالتي... بس أنا قلت لازم أدوقك الفتة من إيدي، وتقوليلي عرفت أعملها زيك المرة دي ولا لأ.»
ثم التفتت حولها وتساءلت:
— «هي البت إسراء فين؟ لسه مرجعتش من بره ولا إيه؟»
ظهر القلق على ملامح إلهام، فأجابتها:
— «لسه يا بنتي... خارجة من صباحية ربنا، قبل الساعة ما تيجي سبعة حتى. لبست عبايتها وخدت ورق جوزها الله يرحمه، وجريت على الشركة اللي كان شغال فيها.»
تنهدت بحزن، ثم تابعت:
— «ادعيلها ربنا ينصفها المرة دي، وترجع مجبورة الخاطر.»
ظهر الحزن على وجه إيمان، وقالت بإحراج:
— «والله يا خالتي أنا وشي منك إنتي وإسراء في الأرض من عمايل تامر جوزي.»
صمتت لحظة، تحاول السيطرة على دموعها، ثم تابعت بدهشة:
— «من ساعة موت رامي أخوه وأنا مش عارفة إيه اللي جراله! جاب القسوة دي منين علشان يقسى بالشكل ده على مرات أخوه وبنتها اللي من لحمه ودمه؟!»
أطبقت إلهام عينيها بقوة، وقالت بأسف:
— «جوزك مفكر إن إسراء السبب في موت أخوه، ومش ناوي يسيب بنتي في حالها يا إيمان.»
تنهدت، ثم أكملت:
— «أول ما يعرف إنها اشتغلت في أي محل ولا عيادة، يروحلها ويعملها فضيحة لحد ما يطردوها. واهي يا حبة عيني طلعت من بدري قبل ما هو يصحى ويشوفها وهي خارجة، ويتخانق معاها زي عوايده.»
ثم رفعت عينيها إلى إيمان وقالت بحسرة:
— «ناسي إنه كده بيقطع رزق بنت أخوه قبل ما يقطع رزقنا... بس ربنا كبير، وقادر ينور بصيرته، ولا يبعتله اللي يوقفه عند حده.»
بكت إيمان وهي تقول: