جريمة في عمارة 6 الفصل الثاني عشر

جريمة في عمارة 6 الفصل الثاني عشر للكاتبة بيري النجار

لمحة نيوز

رأسها، وثبتت عينيها في عينيه، وقالت
لأني مش ناوية أموت دلوقتي.
اختفت ابتسامته تمامًا، واستقام في جلسته دون أن يشعر، وقد انعقد حاجباه باستغراب.
وقال بجدية
تموتي؟ تموتي يعني إيه؟
رغم الرجفة الخفيفة التي تسللت إلى صوتها، فإن نظرتها بقيت قوية.
أنا لو حضرتك أخدت الهارد، في ناس هتعرف... ولو عرفوا هيقتلوني قبل ما أنتقم لأبويا اللي مات غدر، وقبل ما أشوفهم وهما بيتعدموا، ولا بيتاخد حق أبويا منهم.
ظل صامتًا لثوانٍ، يراقب ملامحها. لم يرَ أمامه فتاةً خائفة، بل رأى شخصًا يحمل وجعًا أكبر من عمره، ويتمسك بحق والده بكل ما أوتي من قوة.
ثم قال بصوتٍ هادئ
اللي إنتِ شايفاه يا دكتورة... بس مش هينفع الهارد يفضل معاكي كتير. لازم يتسلم في أسرع وقت.
كادت ترد، لكن الباب انفتح فجأة، ودخل عدي قائلًا
إنت عندك حد؟
رفع أدهم بصره إليه، ثم أشار بيده إلى المقعد المجاور.
اقعد.
ارتبكت غالية، وهمّت بالوقوف، إلا أن أدهم قال بسرعة
لأ... خليكي. متقلقيش، عدي أمان.
ترددت للحظة، ثم قالت
أصل الفايل اللي على الفلاشة ده عليه أسماء ناس من اللي شغالين في الداخلية... أنا قلقت عشان كده.
نظر إليها أدهم بثقةٍ لم تهتز، وقال
اطمني... كل مكان فيه الفاسد والكويس، وعمر الداخلية ما هتخلص ولا هتفضى من الفاسدين واللي عايزين يبيعوا البلد.
ظل عدي جالسًا في مكانه، صامتًا تمامًا، لا يتدخل بكلمة واحدة، مكتفيًا بمراقبة غالية.
كانت عيناه تتحركان معها في هدوء، يلتقطان كل تفصيلة؛ نبرة صوتها، ارتباكها، نظراتها، وحتى لحظات الصمت بين كلماتها، وكأنه يسجل ملامح شخصيتها داخل عقله، تمهيدًا لتحليلها مع أدهم بعد رحيلها.
نظرت غالية إلى أدهم وقالت بتوتر، امتزج بجدية واضحة
أنا بس طالبة من حضرتك إنهم يتحاسبوا على كل حاجة عملوها...
وتوقفت لحظة، قبل أن تلمع الدموع في عينيها وهي تكمل
...وعلى موت والدي.
هز أدهم رأسه بتفهم، ثم قال بصوتٍ هادئ يحمل قدرًا من الطمأنينة
متقلقيش يا دكتورة... أنا واجبي أحميكي، وده هيحصل إن شاء الله.
أومأت له في امتنان، ثم استأذنت وغادرت المكتب.
ظل الصمت يخيّم على المكان حتى أُغلق الباب خلفها.
التفت أدهم إلى عدي، واكتفى بنظرةٍ سريعة وحركة خفيفة بعينيه، كانت كافية ليسأله
إيه رأيك؟
زفر عدي بهدوء، وأسند ظهره إلى المقعد، ثم قال
شكلها فعلًا ملهاش في أي حاجة. أنا كنت شاكك فيها من ناحية إنها تكون متفقة مع اللي قتلوا أبوها، خصوصًا إنها رفضت تسلمك الهارد في الأول.
وسكت لثوانٍ، ثم أردف وهو يعقد حاجبيه
بس برضه هيفضل السؤال عندي... ليه ما سلمتش الهارد؟
تنهد أدهم وهو يطرق بأصابعه فوق سطح المكتب، ثم قال
مش عارف... واللي هي قالته بنسبه قليلة مقنع، ونسبته الكبيرة لأ.
صمت لحظة، ثم أكمل بنبرة حاسمة
بس خلينا معاها للآخر... ونشوف.
فتح أحد الأدراج، وأخرج ورقة، ثم كتب عليها عدة ملاحظات قبل أن يمدها إلى عدي.
وقال بجدية
أنا عايز مراقبة عليها الأربعة وعشرين ساعة... حتى بيتها.
رفع عدي عينيه إليه، فواصل أدهم بنبرة لا تحتمل النقاش
وعايز أعرف كل تحركاتها... بتقابل مين، وبتتكلم مع مين، وبتثق في مين... أي تفصيلة، مهما كانت صغيرة، توصلني.
بقلمي بيري النجار
في مكانٍ نراه للمرة الأولى...
خرج سيلمان من فيلا فخمة، يطغى على تصميمها الرقي والفخامة. كان يرتدي بدلةً باهظة الثمن، أُحيطت أناقته بهالةٍ من الهيبة، بينما زادت ساعته الفاخرة ولمعان حذائه من حضوره اللافت.
أخرج مفاتيح سيارته، فتح الباب، ثم جلس خلف المقود، وارتدى نظارته الشمسية قبل أن ينطلق بسيارته.
لكن وجهته لم تكن كما قد يتوقعها أحد.
بعد رحلةٍ ليست بالقصيرة، ابتعد خلالها عن المدينة شيئًا فشيئًا، حتى وصل إلى منطقةٍ ريفية هادئة، تنتشر فيها البيوت البسيطة والطرق الضيقة.
وقبل أن يصل إلى وجهته الأخيرة، أوقف سيارته أمام متجرٍ صغير.
دخل إليه، وبعد دقائق خرج محملًا بعددٍ كبير من أكياس الطعام، إلى جانب مستلزماتٍ منزلية وأدوية تكفي لأكثر من شهر.
عاد إلى سيارته، ثم أكمل طريقه حتى توقف أمام منزلٍ صغير، متواضع، يكاد يختفي وسط البيوت المجاورة.
ترجل من السيارة، وحمل الأكياس إلى الداخل.
بمجرد دخوله، ألقى مفاتيحه فوق الطاولة القريبة، ثم اتجه مباشرةً إلى المطبخ، وأخذ يرتب المشتريات داخل الثلاجة والخزائن، وكأنه اعتاد فعل ذلك مرارًا.
وللمفاجأة...بقلمي بيري النجار
كانت هناك امرأة مسنة تجلس في أحد الأركان، يكسو ملامحها الإرهاق، ويبدو عليها أثر الشيخوخة والخرف. كانت تحدق في الفراغ بعينين شاردتين، وكأنها لا ترى شيئًا مما يدور حولها.
اقترب منها سيلمان في هدوء، وانحنى يقبل يدها برفق، ثم قال بابتسامةٍ هادئة
عاملة إيه النهارده؟
لم تنظر إليه...
ولم تجبه.
بقيت على حالها، غارقةً في شرودها.
ابتسم ابتسامةً خفيفة، لم يظهر فيها أي ضيق، وقال بصوتٍ دافئ
أنا حطيتلك كل حاجة في التلاجة... وهبعتلك الممرضة تقعد معاكي.
ثم انحنى مرةً أخرى، وقبّل رأسها بحنان، قبل أن يستدير ويغادر المنزل.
وما إن خرج حتى اهتز هاتفه معلنًا وصول رسالة.
أخرج الهاتف، فتحها، وسرعان ما ارتسمت على شفتيه ابتسامة...
ابتسامة غامضة..
باردة...
تحمل من الخبث بقدر ما تحمل من الأسرار.
أعاد الهاتف إلى جيبه، واستقل سيارته من جديد، ثم انطلق نحو وجهةٍ مجهولة...بقلمي بيري النجار

تم نسخ الرابط