جريمة في عمارة 6 الفصل الثاني عشر
جريمة في عمارة 6 الفصل الثاني عشر للكاتبة بيري النجار
الفصل الثاني عشر
ظلَّ عاصم يحدِّق في شاشة الهاتف لثوانٍ طويلة، وكأن الكلمات أمامه لم تعد حروفًا، بل طلقاتٍ أصابت أفكاره دفعةً واحدة.
انقبض فكُّه ببطء، بينما تحرك إبهامه صعودًا وهبوطًا فوق الشاشة، يعيد قراءة الرسالة للمرة الثانية... ثم الثالثة.
الاسم الدكتور سيلمان... الوظيفة أستاذ جامعي بكلية الطب... الإقامة ... السجل نظيف... ...
توقفت عيناه عند السطر الأخير.
ارتفعت إحدى حاجبيه قليلًا.
ثم همس بصوتٍ خافت
غريبة...
نهض من مقعده واتجه نحو النافذة، بينما بقي الهاتف بين يده.
كان التقرير أمامه يؤكد أن الرجل لا تشوبه شائبة...
لكن عقله يرفض تصديق ذلك.
أعاد في رأسه المشهد من جديد.
طريقة سيلمان وهو يشهر السلاح.
ثبات يده.
نظرته قبل إطلاق النار.
ردة فعله بعد انتهاء الاشتباك.
كل حركةٍ قام بها كانت احترافية...
احترافية لا يكتسبها طبيب، مهما مرَّ بمواقف صعبة.
أغلق التقرير، ثم فتح الصورة التي التقطها له وهو يحمل غالية.
ظل يقرِّبها ويُبعِدها، يتأمل ملامحه في صمت.
وفجأة...
ضغط على زر الاتصال.
لم تمضِ سوى ثانيتين حتى جاءه الرد.
أيوه يا باشا.
قال عاصم وهو لا يزال ينظر إلى الصورة
التقرير ده ناقص.
ساد الصمت في الطرف الآخر.
ثم جاءه الصوت مترددًا
ناقص إزاي؟
أجاب عاصم بثقةٍ هادئة
لأن الراجل ده... مش طبيعي.
بس يا باشا... إحنا قلبنا الدنيا وراه. دكتور معروف، وسيرته نضيفة، ومفيش عليه أي حاجة.
ابتسم عاصم ابتسامةً باردة، وقال
وأنا بقولك... في حاجة مستخبية.
ثم أضاف بنبرةٍ حاسمة
من اللحظة دي... عايز مراقبة أربع وعشرين ساعة.
صوته.
تحركاته.
مين بيقابله.
مين بيكلمه.
حتى لو نزل يشتري علبة مية... أعرف.
حاضر يا باشا.
أنهى المكالمة، ثم ألقى الهاتف فوق المكتب.
لكن شيئًا ما ظل يضغط على صدره.
اقترب من شاشة المراقبة، وأعاد تشغيل تسجيل الكاميرات المزروعة داخل شقة الدكتور خلف.
مرة...
واثنتين...
وثلاثًا...
لا شيء.
أوقف التسجيل فجأة.
ثم همس لنفسه
خلف اختفى...
وغالية اضرب عليها نار...
كل ده حصل في نفس اليوم.
سكت لحظة، ثم ضحك ضحكةً قصيرة خالية من المرح.
يا ترى...
إنت تبع مين يا دكتور؟
رفع عينيه إلى شاشة المراقبة مرةً أخرى...
وفي داخله إحساسٌ واحد فقط.
اللعبة بدأت تتغير.
بقلمي بيري النجار
فتحت غالية عينيها ببطء، وظلت لثوانٍ تحدق في سقف غرفتها دون أن تستوعب أين هي.
اعتدلت في جلستها، وأخذت تتلفت حولها باستغراب، حتى وقعت عيناها على غرفتها، فأطلقت زفرةً طويلة.
همست لنفسها
أنا... رجعت إمتى؟
وأخذت تسترجع أحداث الليلة الماضية شيئًا فشيئًا.
سيلمان...
إطلاق النار...
السيارة...
ثم...
لا شيء.
اتسعت عيناها فجأة، وانتفض جسدها بقوة، حتى شعرت بقشعريرةٍ تسري في أوصالها.
وضعت يدها فوق صدرها، تحاول تهدئة أنفاسها المتسارعة.
أغمضت عينيها للحظات، ثم أخذت نفسًا عميقًا، وهمست بحزم
خلاص يا غالية... الخوف مش هيحل حاجة.
نهضت من فراشها، واتجهت إلى الحمام، وتركت المياه الباردة تنساب فوقها، وكأنها تغسل عنها آثار الليلة الماضية.
وبعد دقائق، خرجت وهي أكثر هدوءًا.
جلست أمام حاسوبها المحمول، وأخرجت الفلاشة من درج مكتبها، ثم أوصلتها بالجهاز.
بدأت تنقل الأسماء والبيانات الموجودة عليها إلى ملف جديد، وبعد أن انتهت، أغلقت الملف بكلمة مرور معقدة، لا يعلمها سواها.
نزعت الفلاشة من الجهاز، وتأملتها للحظات، ثم وضعتها داخل جيبٍ صغيرٍ في حقيبتها، وأغلقت السحاب بعناية.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة، وهمست بثقة
إنتوا اللي اخترتوا الحرب...
وأنا هخليكم تندموا.
أغلقت الحاسوب، ثم حملت حقيبتها، وخرجت من شقتها.
وقفت أمام باب شقة الدكتور خلف المقابلة، وطرقت الباب طرقاتٍ خفيفة.
لم تمضِ لحظات حتى فتح الباب، وما إن رآها حتى ارتسمت ابتسامة دافئة على وجهه.
وقال بلهفة
غالية! كنتِ فين يا بنتي؟ أنا مستنيكي تفطري معايا.
ابتسمت له ابتسامة هادئة، وهي تحاول ألا يظهر شيء مما مرت به.
وقالت
معلش يا عمو... كنت تعبانة شوية امبارح، فقولت أرتاح شوية قبل ما أجيلك.
نظر إليها لحظةً، ثم قال باهتمام
أهم حاجة إنك بخير.
أومأت برأسها وهي تبتسم ابتسامة صغيرة.
الحمد لله.
دخلت معه إلى الداخل، حيث كان الإفطار جاهزًا على الطاولة.
جلست معه، لكنها لم تستطع تناول سوى بضع لقمات قليلة.
لاحظ شرودها، فسألها باستغراب
مالك؟ شكلك مش مركزة.
رفعت رأسها إليه سريعًا، ثم ابتسمت محاولةً طمأنته.
أيوه... شوية إرهاق بس.
هز رأسه دون أن يضغط عليها بمزيدٍ من الأسئلة.
وبعد أن انتهت، نهضت وهي تحمل حقيبتها.
قالت وهي تنظر إليه
أنا لازم أمشي دلوقتي.
أومأ لها الدكتور خلف بابتسامته الهادئة.
تمام... خلي بالك من نفسك.
بادلتْه الابتسامة، ثم غادرت بخطواتٍ ثابتة.
لكن داخلها...
كانت قد اتخذت قرارًا لن تتراجع عنه.
ستذهب إلى أدهم في القسم.
بقلمي بيري النجار
أمام قسم الشرطة الذي يعمل فيه أدهم، ولجت غالية إلى الداخل بخطواتٍ مترددة، بينما كانت نظراتها تتنقل بين الضباط والعساكر في المكان، وكأنها تحاول إقناع نفسها بأنها اتخذت القرار الصحيح.
أوقفها أمين شرطة قائلًا
خير يا آنسة؟
قالت بصوتٍ يحمل ارتجافةً خفيفة
عايزة أدخل للمقدم أدهم.
رفع حاجبه ساخرًا وقال
المقدم أدهم مرة واحدة؟ ليه بقى إن شاء الله؟
اعتدلت في وقفتها، وقالت بثباتٍ حاولت أن تُخفي به توترها
أنا عايزة أدخله، وهو عارفني... في إيه يا حضرتك؟
رمقها بنظرةٍ متفحصة قبل أن يقول
عارفك؟ طيب استني عندك.
توجه إلى المكتب، طرق الباب بخفة، ثم دخل وأغلقه خلفه.
وقفت غالية مكانها، تعقد أصابعها حول حقيبتها في توتر، بينما كانت عقارب الساعة تمر ببطءٍ قاتل بالنسبة إليها.
بعد دقائق، خرج أمين الشرطة، ولم ينظر إليها، واكتفى بقوله
اتفضلي يا آنسة.
تنفست غالية بعمق قبل أن تدخل.
ما إن وطأت قدماها المكتب، حتى عادت إليها ذكرى اليوم الذي دخلت فيه قسم الشرطة لأول مرة بعد مقتل والدها، يومها كانت الصدمة تُفقدها القدرة على استيعاب ما يدور حولها، أما اليوم فهي تدخل بإرادتها، لكن الخوف لم يغادر قلبها.
وقف أدهم من خلف مكتبه بمجرد أن رآها، وبادلها السلام بابتسامةٍ هادئة، ثم أشار إلى المقعد أمامه.
اتفضلي.
جلست في هدوء، بينما لاحظ أدهم اضطراب أنفاسها، وتشابك أصابعها فوق حقيبتها، فعرف أنها تحمل فوق كتفيها ما هو أثقل من مجرد حديثٍ عابر.
ابتسم ابتسامةً ودية وقال
تشربي إيه؟
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت
لا، شكرًا.
لم يُلح عليها، بل رفع سماعة الهاتف وقال بهدوء
واحد قهوة... وواحد ليمون.
أعاد السماعة إلى مكانها، ثم شبك أصابع يديه فوق المكتب، وأراح ظهره إلى المقعد، مثبتًا نظره عليها باهتمامٍ كامل، وكأنه يمنحها الوقت الكافي لتجمع كلماتها.
وقال بهدوء
اتفضلي... سامعك.
فتحت حقيبتها ببطء، وأخرجت فلاشة صغيرة، ثم وضعتها فوق المكتب.
وقعت عيناه عليها لثوانٍ، لكنه لم يمد يده إليها، بل أعاد نظره إلى غالية منتظرًا أن تتحدث.
ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن تقطعه هي قائلة
الفلاشة دي عليها جزء مهم من اللي على الهارد... لكن الهارد لسه عليه حاجات كتير... بس أنا مش هقدر أديهولك للأسف.
ظل ينظر إليها في هدوء، ثم سأل
ليه؟ ما ينفعش؟
رفعت