جريمة في عمارة 6 الفصل التاسع
جريمة في عمارة 6 الفصل التاسع للكاتبة بيري النجار
طرف الخيط. لأن زي ما بتقول كده، لو خلف له علاقة بالدكتور اللي اتقتل، ليه الباشا قالك شوف يمكن مع غالية؟
قال عاصم
ما ده اللي محيرني. والظابط ده كان موجود ليه؟ ده في الأصل بيدور عليا، بس رجّالتي قالتلي إنه ميعرفش إني ساكن في العمارة دي... يبقى كان جاي ليه؟
قال مهاب
مش يمكن عارف حاجة عن الهارد؟ وساعتها يبقى كلام الباشا صح، إن الهارد في إيد حد منهم... يا إما خلف، يا إما غالية.
نظر إليه عاصم بنظرة غامضة، وقال
لو ده فعلًا اللي حصل... يبقى الهارد ده فعلًا مع غالية.
بقلمي بيري النجار
في مكتب غالية داخل الجامعة، كانت تجلس أمام سليمان بعدما أنهت حديثها معه، وقد أفرغت ما كان يثقل صدرها طوال الأيام الماضية.
قالت وهي تزفر بضيق، وعيناها شاردتان في الفراغ
ودي كل الحكايه... أنا مش عارفه أعمل إيه. أقول لعمو خلف؟ ولا أقول للشرطه؟ ولا أحرق الهارد؟ ولا أعمل إيه؟
ثم وضعت كفها على جبينها، تضغط عليه بإرهاق، قبل أن تنفخ بضيق وتزيح خصلات شعرها القصيرة إلى الخلف في حركة عفوية، محاولة استعادة شيء من هدوئها.
وما إن رفعت رأسها حتى وجدته يحدق بها في صمت. كانت نظراته ثابتة، يغمرها قدر كبير من الاهتمام والحنان، وكأنه يحاول أن يطمئنها بعينيه قبل كلماته.
مد يده ببطء، ثم وضعها فوق يدها المستقرة على سطح المكتب، وراح يرسم بإبهامه دوائر هادئة فوق ظاهر كفها، في محاولة لتهدئة ارتجافها الذي لم تستطع إخفاءه.
وقال بصوت منخفض، تغلفه الطمأنينة
أنا مش عايزك تخافي من أي حاجه... ولا من أي حد. أنا جنبك.
ارتعش جسدها بخفة فور أن لامست أصابعه يدها، ولم تكن كلماته الأخيرة أقل تأثيرًا من لمسته. شعرت بقلبها يخفق على نحو أربكها، فسحبت يدها برفق، وكأنها تخشى أن يلاحظ اضطرابها.
ثم أعادت خصلة من شعرها خلف أذنها، وقالت بتلعثم واضح
شك... شكراً يا سليمان.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة، وهو يتأمل حمرة وجنتيها التي ازدادت وضوحًا، ثم قال ممازحًا
أنا عرفت ليه الخدود اللي شبه التفاح سموها كده.
ازداد خجلها، فخفضت رأسها سريعًا، ثم نهضت من مكانها على عجل، وكادت تتعثر من فرط ارتباكها وهي تغادر المكتب دون أن تلتفت إليه.
وبمجرد أن أصبحت في الممر، توقفت تستند إلى الحائط، ووضعت يدها فوق صدرها محاولة تهدئة دقات قلبها المتسارعة، ثم همست لنفسها بقلق
يارب ما أكونش اتسرعت... وعملت حاجه أندم عليها.
بقلمي بيري النجار
خرج سليمان خلفها، وعلى شفتيه ابتسامة هادئة، ثم ناداها بمشاكسة
إيه يا ست البنات، دكتور خلف معاكي يوصلك؟ ولا أجي أوصلك أنا؟
احمرّ وجه غالية بخجل، ثم قالت وهي تعبث بحقيبتها
لأ، عمو خلف مقدرش ينزل النهارده، وأنا جيت أصلًا عشان كان ناقصني شوية مراجع أكمل بيهم الرسالة بتاعتي.
هز رأسه وكأنه اتخذ قراره بالفعل، وقال وهو يتجه نحو الدرج
يعني حضرتك بلا توصيله؟ يلا يلا... هوصلك، وأمري لله.
ضحكت غالية بخفة، بينما كانت تسير إلى جواره، وفي داخلها همست برجاءٍ لم تستطع البوح به
بشبه يقين... إن شاء الله مش هندم. وقف معايا يا رب.
نزلا معًا إلى ساحة الجامعة، واتجها نحو سيارته. أسرع سليمان يفتح لها الباب بنفسه، في تصرفٍ لفت أنظار معظم الطلاب الموجودين.
ولم يكن الأمر عاديًا بالنسبة لهم؛ فسليمان معيد المادة التي يدرسها أغلبهم، كما أنه معروف بين الطلاب بوسامته وشخصيته الهادئة، لذلك كانت كثير من الطالبات يلتفتن إليه أينما ذهب. وما إن رأينه يفتح باب السيارة لغالية ويجلس إلى جوارها، حتى تبادلن النظرات والهمسات في صمت.
انطلقت السيارة الفاخرة بهدوء، وقد بدت فخامتها واضحة من تفاصيلها. ولم يكن ذلك غريبًا، فسليمان ينتمي إلى عائلة ثرية، وهذه كل المعلومات التي نعرفها عنه حتى الآن.
قطع الصمت وهو يمد يده إلى جهاز تشغيل الموسيقى، وقال بابتسامة
بتحبي تسمعي حاجه معينة؟
هزت رأسها سريعًا، وقد ازداد ارتباكها من الموقف كله.
لأ... عادي، أي حاجه.
ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم شغّل اغنيه _ Perfect Ed Sheeran . وما إن بدأت الموسيقى تعلو داخل السيارة، حتى أخذ يردد كلماتها بصوتٍ منخفض
I found a love for me
Darling just dive right in and follow my lead
Well I found a girl beautiful and sweet
Oh I never knew you were the someone
، وبين الحين والآخر يختلس إليها نظرة سريعة.
أما غالية، فكانت تجلس في مكانها شديدة الخجل، تشعر وكأنها تتمنى لو انشقت الأرض وابتلعتها من فرط ارتباكها.
ظل يمازحها بكلمات الأغنية، وكأنه يوجهها إليها خصيصًا، بينما كانت تتهرب من النظر إليه، وتكتفي بالتحديق من نافذة السيارة، محاولةً إخفاء ابتسامتها التي كانت تخونها بين لحظة وأخرى.
ولم يقطع تلك الأجواء سوى توقف السيارة أخيرًا أمام العمارة التي تسكن بها.
رفع سليمان فرامل اليد، ثم التفت إليها بابتسامة هادئة، بعدما أوصلها إلى المنزل.
وحدث شي لما يكن في حسبان احد......بقلمي بيري النجار....