جريمة في عمارة 6 الفصل التاسع
جريمة في عمارة 6 الفصل التاسع للكاتبة بيري النجار
الفصل التاسع
دخلت سيارة إلى ساحة فيلا فخمة، كانت تلك المرة الأولى التي نرها فيها.
ترجل منها عاصم، مرتديًا بدلة سوداء أنيقة، وقميصًا أسود، ونظارة شمسية سوداء، بينما كان شعره الطويل مربوطًا إلى الخلف، ليمنحه مظهرًا مهيبًا لا يخلو من الهيبة والغموض.
تقدّم نحو الباب وطرقه بخفة.
فتحت له الخادمة، فبادرها بالسؤال
مهاب هنا؟
أجابت بالعربية المكسّرة
بيه لسه نايم.
هزّ رأسه شاكرًا، ثم دخل إلى الفيلا وكأنه أحد أصحابها. وقبل أن يصعد، مرّ بالمطبخ، والتقط وعاءً صغيرًا مليئًا بمكعبات الثلج، ثم واصل طريقه إلى الطابق العلوي حتى وصل إلى جناح مهاب بقلمي بيري النجار
فتح الباب بهدوء، فوجد مهاب نائمًا بعمق، كعادته، والجزء العلوي من جسده مكشوف.
اقترب منه بخطوات حذرة، ثم سكب مكعبات الثلج دفعة واحدة على ظهره.
انتفض مهاب من مكانه صارخًا، وقفز فوق السرير وهو ينظر حوله في ذعر.
إيه! في إيه؟! البيت بيقع؟! ولا الحرب العالمية قامت؟!
ظل يقفز من مكان إلى آخر داخل الغرفة، بينما انفجر عاصم ضاحكًا حتى كاد يفقد توازنه.
ولما استوعب مهاب ما حدث، التقط الوسادة وألقاها نحوه وهو يقول بضيق ممزوج بالضحك
أبو شكلك يا أخي! مش هتبطل الحركة دي؟! ده أنا كنت حمدت ربنا إنك عزلت يا غلس!
تعالت ضحكاتهما معًا، وانحنى عاصم يلتقط إحدى الريشات التي تناثرت من الوسادة، ثم قذفها نحوه وهو يقول ساخرًا
يمكن تزرع في الميّه دي.
شهق مهاب بغيظ مصطنع، ثم اندفع يجري خلفه، لكن عاصم كان أسرع منه، فخرج من الغرفة وأغلق الباب قبل أن يصل إليه.
وقف مهاب يضحك وهو يهز رأسه، ثم تنهد واتجه إلى خزانته ليبدل ملابسه.
وبينما كان يرتدي قميصه، عادت به الذاكرة إلى اليوم الذي التقى فيه بعاصم لأول مرة...
يومها كانا داخل الإصلاحية... وسنعرف لاحقًا سبب وجود كلٍ منهما هناك.
في ذلك الوقت، كان مهاب في الخامسة عشرة من عمره؛ فتىً هزيل البنية، ضعيف الشخصية، لا يقوى على مواجهة أحد، لذلك كان أغلب النزلاء، سواء الأكبر أو الأصغر منه سنًا، يجدون فيه ضحية سهلة.
وفي أحد الأيام، كان يقف داخل حمام الإصلاحية حين التف حوله مجموعة من الفتيان.
أمسك أحدهم بتلابيب ملابسه، بينما مدّ آخر يده نحو السلسلة المعلقة في عنقه، والتي كانت تتدلى منها صورة والدته.
تشبث مهاب بالسلسلة بكل ما أوتي من قوة، وهو يردد بصوت مرتجف
لأ... سيبني... دي سلسلة أمي... ده آخر حاجة فاضلة لي منها.
لكن الشاب الضخم لم يعبأ بكلامه، بل وجه إليه لكمة قوية، ثم حاول انتزاع السلسلة بالقوة بقلمي بيري النجار
في تلك اللحظة، دخل شاب إلى الحمام.
وقف للحظات يراقب المشهد في صمت، دون أن يتدخل.
لكن ما إن سمع مهاب يذكر والدته، حتى تبدلت ملامحه، وكأن تلك الكلمة أيقظت شيئًا دفينًا بداخله.
تقدّم بخطوات هادئة حتى وقف أمام الشاب الضخم، ثم قال بنبرة باردة
مالك بيه؟
التفت إليه الشاب باستهزاء وقال
وإنت مال أمك؟
ابتسم عاصم ابتسامة خفيفة، ثم وضع يده على كتف الشاب وقال بهدوء
ليه كده بس؟
ولم تمر ثانية، حتى اندلعت معركة عنيفة بينهما.
أما مهاب، فظل جالسًا على أرض الحمام، يضم ركبتيه إلى صدره بإحدى يديه، بينما كانت اليد الأخرى تقبض بقوة على سلسلة والدته، والدموع تنساب من عينيه.
وبعد دقائق، انتهت المشاجرة.
اقترب عاصم من مهاب، ومدّ يده إليه، ثم أمال رأسه في إشارة صامتة تدعوه للنهوض.
نظر مهاب إلى يده للحظات، ثم أمسك بها.
ساعده عاصم على الوقوف، فابتسم مهاب ابتسامة خجولة وقال
أنا... مهاب.
صافحه عاصم قائلًا باقتضاب
عاصم.
ومنذ تلك اللحظة... لم يعد مهاب وحيدًا.
انتفض مهاب من ذكرياته ، ثم خرج من غرفته متجهًا إلى الطابق السفلي.
نزل مهاب إلى الطابق السفلي، فوجد عاصم جالسًا في غرفة المعيشة، منهمكًا في لعب البلايستيشن بقلمي بيري النجار
جلس مهاب بجواره على البوف، وأخذ ذراع التحكم الآخر، ثم قال
خير يا آخر صبري؟
نظر إليه عاصم باشمئزاز، وقال
إنت طول يالا يا دكتور الحريم إنت.
ظل مهاب ينظر إليه بهدوء، ثم قال
مالك يا صاحبي؟
ترك عاصم ذراع التحكم، وأغلق الشاشة، ثم التفت إليه وقال
متلخبط... حاسس إني بلف حوالين نفسي ومش عارف أعمل إيه.
رد عليه مهاب
لسه حوار الباشا ده معكنن عليك؟
زفر عاصم وقال
ش بس الباشا يا مهاب... أنا بدور على حاجة في كوم قش، وقلتله في ظرف شهر، وأنا مش عارف أعمل إيه.
رد مهاب بثقة
حبيتها.
انتفض عاصم وقال باستغراب وتشتت
حبيت مين بس يا عم إنت؟
ابتسم مهاب وقال بثقة
ما هي دي مش حالة صاحبي اللي أنا عارفها.
نفخ عاصم بضيق وقال
يووه... مالي يعني يا مهاب؟ بقولك متلخبط بس يا سيدي.
قال مهاب
طيب، إنت المفروض بتدور على الهارد اللي عليه أبحاث الدكتور اللي قتلوا رجالة المحمدي، صح؟ إنت كنت حكيتلي كده.
همهم له عاصم موافقًا.
قال مهاب
طيب، الأبحاث دي كانت بتاعة مين؟ مين الدكتور اللي اتقتل ده؟
زفر عاصم وقال
ما أنا مش عارف، وكل ده ملخبطني. طيب أنا اتكلفت أقتل الدكتور خلف على أساس إنه هو اللي معاه الهارد... إيه علاقة بقى خلف بالدكتور اللي قتلوه رجالة المحمدي؟
صفق مهاب بكفيه وقال
كده إنت بدأت تمسك