جريمة في عمارة 6 الفصل الثامن
جريمة في عمارة 6 الفصل الثامن للكاتبة بيري النجار
عمو...كان نفسي احكيلك
وساد الصمت أرجاء الغرفة، بينما انعكس ضوء الشاشة على ملامحها الشاحبة، لتدرك للمرة الأولى أن حياتها لن تعود كما كانت...
كان أدهم يجلس داخل غرفته في منزل العائلة، مستندًا إلى ظهر مقعده، بينما تاهت عيناه بين أوراق القضية المبعثرة فوق مكتبه وصورة غالية التي لم تغب عن ذهنه منذ لقائهما الأخير.
تزاحمت الأسئلة داخل رأسه بلا توقف، لكنه لم يجد لها إجابة واحدة تقنعه.
قطع شروده طرقٌ خفيف على باب الغرفة، أعقبه صوت والدته الدافئ
يلا يا أدهم، الفطار جاهز.
تنهد بهدوء، ثم نهض من مكانه، وبدّل ملابسه مرتديًا بدلته العملية استعدادًا ليوم عمل جديد.
خرج من غرفته متجهًا إلى غرفة الطعام، فوجد والده يجلس على رأس المائدة، بينما جلست والدته إلى يساره. ابتسم، وسحب مقعده وجلس إلى يمين والده، ثم قال وهو ينظر إليهما بمشاكسة
صباح الخير يا عصافير الحب، عاملين إيه؟
نظر إليه حسين مبتسمًا وقال مازحًا
بس يا متغاظ، والله اللي متغاظ مننا يعمل زينا ويفرحنا بيه.
ابتسم أدهم وقال بدوره بمزاح
لاء يا سيادة اللواء، افقد الأمل فيا الفترة دي.
تدخلت سهير وهي تنظر إليه بحنان
يسيبك ده، إيه! أنا عايزة أفرح بيك يا ابني قبل ما أموت.
اختفت الابتسامة عن وجه حسين في لحظة، ووضع يده سريعًا على فمها، ثم نظر إليها بعتاب امتزج بالخوف وقال
اسمعك تجيبي سيرة الموت تاني يا سهير... رد فعلي مش هيعجبك.
ابتسم أدهم وهو يتأمل المشهد أمامه.
كان يشعر بسعادة حقيقية كلما رأى والديه معًا. فوالده، اللواء السابق الذي طالما ارتبط اسمه بالحزم والهيبة داخل وزارة الداخلية، وكان الجميع يهابه، يتحول أمام والدته إلى رجل بسيط يخشى مجرد فكرة أن تفارقه يومًا.
قال وهو يضحك محاولًا إنهاء الموقف
باااااس... صلوا على النبي يا جدعان، مش كده.
أنزل حسين يده عن فم زوجته، ثم أمسك يدها برفق، وقبّل باطنها، وظل ينظر إلى عينيها بصمت.
ابتسم أدهم، ثم التفت إلى والدته وقال بمزاح
إيه يا ست الكل، هتزعلي رجالتك منك كده؟
ربتت سهير على يد حسين بحنان وقالت
أنا حياتي من غيركم ولا حاجة يا حبيبي، بس نفسي أفرح بيك وأشيل عيالك.
ابتسم أدهم، لكن ابتسامته خفتت للحظة، إذ تسللت إلى ذهنه صورة غالية دون إرادة منه. تذكر دموعها، وارتباكها، ونظرتها التي كانت تخفي خلفها شيئًا كبيرًا، قبل أن يطرد الفكرة سريعًا من رأسه.
نهض من مكانه، وانحنى يقبّل رأس والدته، ثم قبّل يد والده الأخرى، بعدما كانت يده اليمنى ما تزال ممسكة بيد زوجته.
وقال وهو يلتقط مفاتيح سيارته
يلا، عندي شغل مهم، أشوفكم بالليل.
ودعته والدته بابتسامة، بينما اكتفى والده بإيماءة هادئة وهو يقول
ربنا يحفظك يا ابني.
غادر أدهم المنزل، وما إن نزل درجات السلم حتى أخرج هاتفه واتصل بعدي.
وما إن أجابه حتى قال مباشرة
ها، عملت إيه؟
جاءه صوت عدي من الطرف الآخر
موصلتش لأي حاجة جديدة، وحتى الصورة اللي بعتها في الجهاز هنا، مش عارفين مين اللي فيها.
انعقد حاجبا أدهم، وتوقفت خطواته للحظة.
قال وهو يفتح باب سيارته
تمام... أول ما يظهر أي جديد بلغني على طول.
عدياتفقنا
أنهى أدهم المكالمة، ثم استقل سيارته وانطلق إلى عمله، بينما ظل عقله منشغلًا
بالقضية... وبالفتاة التي أصبحت، دون أن يشعر، تحتل مساحة متزايدة من أفكاره.
بقلمي بيري النجار
في صباح اليوم التالي، غادرت غالية منزلها متجهةً إلى كليتها، تحمل حقيبتها التي تضم حاسوبها المحمول، وأوراقها، وبعض المراجع الخاصة برسالة الدكتوراه التي كانت تُعِدُّها. كانت ملامحها هادئة من الخارج، إلا أن عقلها لم يتوقف عن التفكير فيما تمر به خلال الأيام الأخيرة.
دخلت مكتبها، ورتبت أغراضها فوق المكتب، ثم فتحت الحاسوب استعدادًا
لاستكمال ما أنجزته من أبحاث، قبل أن يقطع هدوءَ المكان صوت الباب وهو يُفتح.
دخل سليمان بخطوات هادئة، واتجه مباشرةً إلى المقعد المقابل لمكتبها، ثم جلس وهو ينظر إليها بابتسامة خفيفة.
وقال
أوعي تكوني أخدتي عني فكرة مقرفة بعد كلام الأخت حسنات... أختي.
ضحكت غالية بخفة، وقالت
على فكرة بنت لطيفة جدًا ولذيذة... إنت بس اللي مش عارف بقى مالك.
ضحك معها، ثم ساد بينهما صمت قصير، قبل أن يقول بنبرة أكثر جدية
مش إحنا بقينا أصحاب... ولا أنا فاهم غلط؟
اعتدلت غالية في جلستها، وابتسمت ابتسامة صادقة وهي تقول
أصحاب طبعًا يا سليمان... إنت شخص أي حد يتشرف إنه يكون صديقه.
بدت على ملامحه علامات الارتياح، لكنه ظل يتأملها للحظات، وكأنه يقرأ ما تخفيه عيناها، ثم قال بهدوء
طيب احكيلي... حاسس إن في حاجة موتراكي وقلقاكي زيادة، غير تحضير رسالة الدكتوراه.
تعلقت عينا غالية به لثوانٍ، وكأنها كانت تحسم صراعًا بين الصمت والبوح، ثم أخذت نفسًا عميقًا وقالت بهدوء
هحكيلك بقلمي بيري النجار