جريمة في عمارة 6 الفصل الثامن
جريمة في عمارة 6 الفصل الثامن للكاتبة بيري النجار
الفصل الثامن
ساد الصمت داخل المكتب الفخم، ولم يكن يُسمع سوى صوت عقارب الساعة وهي تعلن مرور الوقت ببطء.
جلس رجل في أواخر الخمسينيات، أو ربما تجاوز الستين بقليل، فوق كرسي متحرك فاخر. كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة، وساعة باهظة الثمن تزين معصمه، بينما استقر الكرسي أمام نافذة زجاجية ضخمة تطل على الحديقة الواسعة للفيلا.
لم يظهر من الرجل سوى ظهره، إذ كان يحدق إلى الخارج بصمت، وكأنه غارق في أفكاره.
قطع الصمت طرقٌ خفيف على الباب.
قال الرجل، بنبرة هادئة تحمل قدرًا من الهيبة
ادخل.
انفتح الباب ببطء، ودخل شاب لم يظهر منه سوى قدميه، ثم أغلق الباب خلفه باحترام.
وقف في مكانه وقال
كده كله تمام يا ريس.
حرّك الرجل الكرسي المتحرك ببطء حتى اقترب أكثر من النافذة، وظل يعطيه ظهره.
ثم قال، دون أن يلتفت إليه
اطمنتلك؟
أجاب الشاب بتردد
يعتبر... آه.
ساد الصمت للحظات.
ثم خرج صوت الرجل باردًا وحادًا
لأ... أنا مش عايز يعتبر. أنا مش صارف عليك تعليم، ولا شايلك، ولا صارف على الهانم بتاعتك، عشان تيجي تقولي يعتبر.
انخفض رأس الشاب قليلًا.
حقك عليا يا ريس... تحت أمرك.
قال الرجل، وما زال ينظر من خلف الزجاج
أنا عايز خلال يومين تكون جايبلي قرار البت دي. مش على آخر الزمن عيلة لسه طالعة من البيضة تلففنا حوالين نفسنا و نادي لي علي الهانم التانيه.
أجاب الشاب بسرعة
أوامرك يا ريس. هتلاقيني جايبلك اخرها.
أشار الرجل بيده إشارة مقتضبة، ففهمها الشاب على الفور.
استدار وغادر المكتب، ثم أغلق الباب خلفه بهدوء بقلمي بيري النجار
سار في الممر الطويل بخطوات ثابتة، حتى توقف أمام إحدى الغرف.
رفع يده وطرق الباب برفق.
جاءه صوت فتاة من الداخل
ادخل.
فتح الباب ودخل.
كانت فتاة تقف أمام النافذة، توليه ظهرها، تتأمل الحديقة في صمت.
قال بهدوء
...
يذكر اسمها فقط.
استدارت إليه ببطء.....
كان شعرها مضفرًا بطريقة أفريقية، وارتدت ملابس عصرية جريئة، بينما استقرت سيجارة مشتعلة بين أصابعها، تنفث دخانها في هدوء، وكأنها شخص آخر تمامًا.
ابتسمت ابتسامة جانبية، وهي تنظر إليه بثقة، ثم قالت
خير؟ شكلك داخل مستعجل.
أجابها وهو يقترب منها
الريس عايزك.
رفعت حاجبها بابتسامة ساخرة، ثم أطفأت السيجارة في المنفضة الموضوعة بجوارها.
واضح إن في شغل جديد.
رد باقتضاب
واضح إنه مستعجل.
نظرت إليه لثوانٍ، ثم تناولت سترتها من فوق المقعد وارتدتها وهي تقول
يبقى منأخروش أكتر من كده.
وغادرت الغرفة بخطوات واثقة، بينما ظل هو ينظر إليها للحظة، قبل أن يسير خلفها.
مرّت ساعات منذ أن عادت غالية إلى شقتها، لكنها لم تتحرك من فوق سريرها.
كانت تجلس في صمت، تُقلب فلاشة صغيرة بين أصابعها، بينما ظل بصرها معلقًا بها، وكأنها تنتظر منها أن تُجيب عن الأسئلة التي تعصف بعقلها.
همست بصوتٍ متهدج، وقد غلبتها دموعها
ياتري عليها ايه دي يا بابا و ليه الناس دي كلها بدور عليها و هي تستاهل اوي كده تموت علشانها.
وما إن أنهت كلماتها حتى انفجرت في البكاء.
لكنها سرعان ما مسحت دموعها بعنف، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت لنفسها بإصرار
انتي متعيطش يا غاليه انتي تركزي و تبحثي و دوري و تكملي اللي ابوكي معرفش يكمله و مات علشانه.
نهضت من مكانها، وأحضرت حاسوبها المحمول، ثم وضعت الفلاشة في منفذه.
كانت تلك الفلاشة مجرد نسخة من الهارد.
انتظرت حتى ظهرت الملفات أمامها.
في البداية، بدت جميعها ملفات علمية عادية، تحمل أسماءً لا تثير الشك.
تنهدت في هدوء، وضغطت على أول ملف.
ثم الثاني...
ثم الثالث...
وفجأة...
تجمدت أناملها فوق لوحة المفاتيح.
اتسعت عيناها شيئًا فشيئًا، بينما ارتفعت يدها إلى فمها دون وعي.
راحت تقرأ ما أمامها مرة... ثم أعادت قراءته مرة أخرى، وكأن عقلها يرفض تصديق ما تراه.
همست بصوتٍ مرتعش
إزاي...؟!
فتحت ملفًا آخر بسرعة أكبر.
وما إن وقعت عيناها على محتواه حتى تراجعت إلى الخلف، وقد شحب وجهها تمامًا.
مستحيل...
لم تكن تلك مجرد أبحاث علمية...
بل كان الأمر أكبر بكثير مما تخيلته.
وفي تلك اللحظة...
دوّى طرقٌ على باب الشقة.
انتفضت غالية من مكانها، فأغلقت الحاسوب بسرعة، ونزعت الفلاشة من الجهاز، وأخفتها داخل درج الكومود بجوار السرير، ثم مسحت دموعها على عجل واتجهت نحو الباب بقلمي بيري النجار
فتحت الباب...
لتجد الدكتور خلف يقف أمامها.
وما إن رأته حتى ارتمت بين ذراعيه، وانفجرت في البكاء.
ربّت على ظهرها بحنان، ثم اصطحبها إلى الداخل، وأغلق الباب خلفه، وأجلسها على الأريكة، قبل أن يجلس إلى جوارها وهو ينظر إليها بقلق.
وقال مالك ايه اللي حصل
قالت، وهي لا تزال تشهق من البكاء
انا ابويا راجل عظيم اوي يا عمو
ربت على كتفها بحنان، وقال
عارف يا حبيبتي
رفعت رأسها، ونظرت إليه للحظات، ثم قالت
عمو... بابا كان بيقولك بيشتغل على إيه؟
تنهد بهدوء، ثم قال
كل اللي اعرفه يا بنتي ان ابوكي كان بيلعب مع ناس كبار و خطر و مكنش همه حاجه غير أبحاثه و دراساته
اغرورقت عيناها بالدموع مرة أخرى، وقالت
اللي بسببها مات يا عمو
ربت على يدها برفق، وقال
ربنا يرحمه و يرحمنا
ثم حاول أن يخفف عنها، وقال بابتسامة هادئة
يالا روقي كده عشان تركزي في رسالتك انتي مهمله الفتره دي و انا علي موالك مرحتش الجامعه الفتره دي
خفضت رأسها في خجل، وقالت
حقك عليا يا عمو عندك حق لازم اهتمت بدراستي شويه
ابتسم لها ابتسامة أبوية، ثم نهض من مكانه، وربت على رأسها قبل أن يغادر الشقة.
أغلقت غالية الباب خلفه ببطء.
وظلت واقفة في مكانها للحظات، تحدق في الباب بصمت.
ثم التفتت نحو غرفتها.
كانت تعلم أن الرجل الوحيد الذي تثق به...
لم تستطع أن تخبره بما رأته.
عادت بخطوات مترددة إلى الحاسوب.
أخرجت الفلاشة من الدرج، وأعادت توصيلها بالجهاز.
جلست أمام الشاشة تحدق فيها طويلًا، ثم همست بصوتٍ يكاد لا يُسمع
أنا آسفة يا