جريمة في عمارة 6 الفصل السابع

جريمة في عمارة 6 الفصل السابع للكاتبة بيري النجار

لمحة نيوز

الفصل السابع

عادت غالية إلى شقتها، وبدّلت ملابسها، ثم ارتدت ملابس منزلية مريحة بطابعٍ طفولي زادها رقة.

توجهت إلى المطبخ، وأعدّت لنفسها وجبة خفيفة، ثم جلست أمام التلفاز تشغّل فيلمًا لطيفًا، محاولةً أن تفصل عقلها قليلًا عن كل ما مرت به خلال الأيام الماضية من أحداثٍ مرهقة.

لكن هدوءها لم يدم طويلًا."بقلمي بيري النجار"

فجأة، سمعت صوت خربشة خافتة قادمًا من شرفة غرفتها، أعقبه صوت حركة خفيفة، ثم ارتطام متكرر بشيش الشرفة.

عقدت حاجبيها وهمست لنفسها:

* يمكن الهوا...

لكن الصوت تكرر بصورة أقوى هذه المرة، فنهضت من مكانها في حذر، واتجهت نحو المطبخ، والتقطت سكينًا صغيرة خاصة بتقطيع الفاكهة، ثم اقتربت من باب الشرفة بخطوات مترددة.

أخذت نفسًا عميقًا، وفتحت الباب بسرعة، مستعدة لمواجهة أي شخص قد يكون مختبئًا بالخارج.

لكنها ما إن رفعت بصرها حتى تفاجأت بقط صغير يقف فوق سور الشرفة، ينظر إليها بعينين واسعتين.

ابتسمت على الفور، واختفى توترها تمامًا. انحنت نحوه وحملته بين ذراعيها بحنان، وهي تقول:

* إيه يا جميل؟ إيه اللي جابك هنا؟ وجيت إزاي؟ إنت هربان من صحابك؟ ينفع كده برضه؟

أخذ القط يتمرغ بين ذراعيها في دلال، ثم بدأ يعبث بخصلات شعرها، فضحكت وهي تربت على رأسه برفق.

دخلت به إلى الداخل، وأغلقت باب الشرفة، ثم وضعت له قليلًا من الطعام في طبقٍ صغير، قبل أن تعود لتكمل وجبتها وتشاهد فيلمها، بينما ظل القط يتجول بحرية داخل الشقة، وكأنه صاحب المكان.

وفي صباح اليوم التالي...

استيقظت غالية على صوت طرقات متتالية على باب شقتها.

فتحت عينيها بصعوبة، ثم اعتدلت في جلستها وهي تفركهما بنعاس، وتمتمت بضيق:

* مين اللي بيخبط الصبح بدري كده؟

نهضت واتجهت نحو الباب، ثم فتحته.

فوجدت أمامها فتاة تبدو في أوائل العشرينيات، جميلة الملامح، وعلى وجهها ابتسامة لطيفة."بقلمي بيري النجار"

ابتسمت غالية بأدب وقالت:

* اتفضلي... حضرتك عايزة مين؟

أجابتها الفتاة بعفوية تامة:

* عايزة مشمش.

رمشت غالية عدة مرات، ثم عقدت حاجبيها باستغراب وقالت:

* أفندم؟ مشمش إيه يا حبيبتي اللي جاية تسألي عليه الساعة سبعة الصبح؟

احمر وجه الفتاة قليلًا من شدة الإحراج، ثم قالت بخجل:

* آسفة... أنا بسأل على مشمش... القط بتاعي. هو أكيد عندك.
ابتسمت غالية قائلة:

* آه... مشمش؟ هو ده القط بتاعك؟

هزّت الفتاة رأسها برفق، مؤكدةً حديثها، بينما ارتسمت على وجهها ابتسامة خجولة.

ابتسمت غالية وقالت:

* طب اتفضلي.

دخلت الفتاة إلى الشقة وجلست، بينما اتجهت غالية إلى الداخل وهي تحمل مشمش بين ذراعيها.

حاولت أن تُنزله من حضنها، لكنه ظل متشبثًا بها، وكأنه يرفض الابتعاد عنها.

ربتت على رأسه برفق وهي تقول:

* روح يلا... لصاحبتك.

لكن القط لم يبدِ أي استجابة، بل ظل مستلقيًا في حضنها بكل راحة، وكأنه لم يسمعها من الأساس.

نظرت غالية إلى الفتاة مبتسمة، ثم قالت مازحة:

* هو إنتوا بتعذبوه ولا إيه؟ ده ولا كأنه شافك!

انفجرت الفتاة ضاحكة، ثم قالت:

* لا والله، هو بيحب يهرب كده. بس دايمًا كان بيطلع الدور التاسع، أول مرة يطلع الدور العاشر... شكله حب يترقى تقريبًا.

ضحكت غالية هي الأخرى، وقالت وهي تنظر إلى مشمش:

* ده مربيني من امبارح... رايح جاي، ولا كأنه بيته.

أشارت الفتاة إلى القط وهي تهز رأسها بيأس مصطنع، وقالت:

* طبعا يا فندم، ده الأستاذ سوابق ده مغلبني. كل مرة أجيبه من شقة شكل.

شاركتها غالية الضحك، ثم قالت بعدما هدأت قليلًا:

* أنا آسفة، نسيت أقولك تشربي إيه. صحيح... إنتِ لسه مقولتيليش اسمك إيه؟

: نهضت غالية متجهة إلى المطبخ، ثم عادت بعد لحظات تحمل كوبًا من العصير وقدّمته لملك، التي شكرَتها بابتسامة رقيقة.

جلست الفتاة وقالت بخجل:

* أنا اسمي ملك، عندي عشرين سنة... وحضرتك؟

ضحكت غالية بخفة على كلمة "حضرتك"، وقالت مازحة:

* كبيرة أوي أنا كده؟

ارتبكت ملك ولوّحت بيديها سريعًا وهي تقول:

* لا والله، أنا مقصدش طبعًا. شكلك مش كبير، بس العمارة كلها بتقول عنك دكتورة، فقلت أكيد سنك أكبر مني.

ابتسمت غالية بحنان، وربّتت برفق على ركبة الفتاة، ثم قالت:

* ولا يهمك يا قمر.

ثم أضافت بابتسامة ودودة:

* أنا غالية... أكيد عرفتي أنا مين بقى.

ضحكت ملك، ثم استأذنت للمغادرة.

وأثناء توصيلها إلى الباب، وقعت عينا 
غالية على "مشمش" الذي كان يقف فوق ذراع صاحبته، ولا يزال يحدق بها، فقالت ضاحكة:

* ما تنسانش بقى يا مشمش، ولما تحب تهرب تعالى من الباب، مش ناقصة خضة هي.

ضحكت ملك، ثم غادرت.

وفي تلك اللحظة، كان عاصم يصعد إلى الطابق. وما إن وصل حتى وجد باب شقة غالية مفتوحًا، وكانت لا تزال تبتسم وهي توشك على إغلاقه.

فقال لها مازحًا:

* إيه؟ هو إذا حضرت الشياطين ولا إيه؟

ضحكت غالية وردّت بسرعة:

* العفو طبعًا... ده إذا حضرت الملايكة.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، بينما سخر في داخله من كلماتها. كانت تراه ملاكًا، في حين أنه كان يعلم يقينًا أنه أبعد ما يكون عن الملائكة... بل كان، من وجهة نظره، أقرب إلى إبليس.

أخفى تلك الأفكار خلف ابتسامته، ثم سألها بهدوء:

تم نسخ الرابط