جريمة في عمارة 6 الفصل الخامس
جريمة في عمارة 6 الفصل الخامس للكاتبة بيري النجار
الفصل الخامس
جلس أدهم داخل مكتبه في مبنى الداخلية، وقد افترشت أمامه الملفات والأوراق والصور الخاصة بالقضية. صورٌ لغالية، وتقارير عن الدكتور خلف، ومحاضر التحريات، وكل ما يتعلق بذلك الهارد الغامض.
كان يحدق في الأوراق بشرود، بينما يطرق بظهر القلم الجاف فوق سطح المكتب بإيقاع منتظم، وعقله لا يتوقف عن طرح الأسئلة.
لماذا تتمسك غالية بالهارد إلى هذا الحد؟
ولماذا تركت القاهرة وجاءت إلى الإسكندرية؟
كانت كلماتها تزيده حيرة بدلًا من أن تمنحه إجابات.
انتشله من شروده طرقٌ خفيف على الباب.
ادخل.
انفتح الباب، ودخل شاب طويل القامة، يكاد يضاهي أدهم طولًا، بل ربما يزيده بضعة سنتيمترات، وعلى وجهه ابتسامة واسعة.
قال ما إن رآه
سعادت الباشا... اللي منيم الصين من المغرب!
انفجر أدهم ضاحكًا، ثم أشار إليه وهو يهز رأسه.
اقعد يا رخم.
ضحك الشاب وجلس على المقعد المقابل للمكتب، ثم قال بمكر
ليه بس الغلط يا عم؟ ما كنا ماشيين حلو.
رمقه أدهم بنظرة طويلة، وكأنه يبحث عن أي شيء فوق المكتب يقذفه به، قبل أن يهز رأسه مستسلمًا.
والله إنت محتاج تربية من أول وجديد يا عدي.
ضحك عدي بصوت عالٍ، لكنه لم يكد يرد حتى دوى طرق آخر على الباب.
اتفضل.
دخل أحد العساكر ووقف يؤدي التحية.
يا فندم... سيادة اللواء طالب حضور حضرتك، وعدي باشا.
نظر عدي إلى أدهم باستفهام، وكأن عينيه تقولان في إيه يا ترى؟
أومأ أدهم للعسكري.
تمام... شكرًا.
غادر العسكري، فنهض أدهم من مكانه وهو يجمع الأوراق المبعثرة أمامه. وضعها داخل درج مكتبه بعناية، ثم أغلقه بالمفتاح، والتفت إلى عدي.
يلا... نشوف سيادة اللواء عايز إيه.
غادرا المكتب معًا، وبعد دقائق توقفا أمام مكتب اللواء.
طرق أدهم الباب.
اتفضلوا.
دخلا معًا، ووقفا في وضع الانتباه باحترام.
ابتسم اللواء وأشار إلى المقعدين أمامه.
اقعدوا.
جلسا، وشبك أدهم أصابع يديه فوق ركبتيه، ثم قال
خير يا باشا؟
أما عدي، فاكتفى بالنظر إلى اللواء منتظرًا الحديث.
ابتسم اللواء بهدوء وقال
كله خير إن شاء الله يا رجالة.
ثم التفت إلى أدهم وسأله
إنت ماسك قضية الهارد اللي مع الدكتور خلف؟
تردد أدهم للحظة.
لسبب لم يفهمه حتى هو، لم يخبر اللواء أن الهارد ليس مع الدكتور خلف، وإنما مع غالية. احتفظ بالمعلومة لنفسه، ثم أجاب بثبات
أيوه يا فندم.
حول اللواء نظره إلى عدي.
وإنت... القضية اللي معاك وصلت لفين؟
اعتدل عدي في جلسته وقال
قضية قتل رجل الأعمال اللي اتقتل في النادي يا فندم... ولحد دلوقتي مش عارفين مين اللي نفذ الجريمة.
ظل اللواء صامتًا لثوانٍ، ثم قال بنبرة جادة
اقفل القضية دي يا عدي.
نظر إليه الاثنان بدهشة.
أكمل اللواء
لأنك مش هتلاقي القاتل... الراجل ده عامل زي الشبح. بقالي سنين بدور عليه هو ورجالته، وكل مرة بيفلت مننا. لكن المرة دي... هيظهر.
نظر إلى أدهم مباشرة وأضاف
لأنه هيبقى جزء من قضية الهارد.
ساد الصمت داخل المكتب.
ثم قال اللواء بحزم
وأنا عايز قضية الهارد دي تخلص في أقل من شهر.
انعقد حاجبا أدهم، لكنه أجاب بثقة
بعون الله يا فندم... هتخلص.
ابتسم اللواء وهو ينظر إلى الضابطين.
وأنا واثق فيكم يا أبطال... وروني همتكم بقى.
وقف أدهم وعدي في الوقت نفسه.
تحت أمرك يا فندم.
أديا التحية العسكرية، ثم استأذنا وغادرا المكتب، بينما كان كل منهما يدرك أن الأيام القادمة لن تكون سهلة أبدًا.
_____بقلمي بيري النجار_____
كانت الأمطار تهطل بغزارة حتى كادت تحجب الرؤية، والبرق يشق السماء كل بضع ثوانٍ، كاشفًا ملامح طفل صغير لا يتجاوز السادسة من عمره، يركض وسط غابة كثيفة وقد غاصت قدماه في الوحل.
كان يلهث بقوة، يلتفت حوله في كل لحظة وكأن شيئًا يطارده، ودموعه تختلط بمياه المطر التي أغرقت وجهه.
صرخ بصوت مرتجف
مامااا!
لم يجبه سوى صوت الرعد.
التفت ناحية أخرى وهو يبكي أكثر.
بابا... اخويا فين؟
واصل الجري بين الأشجار وهو ينادي أسماء أفراد عائلته واحدًا تلو الآخر، بصوت يملؤه الرجاء
حد يرد عليا... بالله عليكم...
كان يأمل أن يسمع أي صوت... أي شخص... أي إجابة.
لكن الصمت كان أقسى من المطر.
وفجأة...
امتدت يد قوية من خلفه، أطبقت على فمه قبل أن يصرخ، بينما وُضع منديل ذو رائحة نفاذة فوق أنفه.
بدأ الطفل يقاوم بكل ما يملك من قوة، يضرب بقدميه ويحاول الإفلات، لكن مقاومته أخذت تضعف شيئًا فشيئًا.
ثقلت عيناه...
وتراخت أطرافه...
حتى فقد وعيه تمامًا.
انحنى رجل ضخم، حمله بين ذراعيه بسهولة، واتجه به إلى سيارة دفع رباعي سوداء كانت متوقفة بين الأشجار.
فتح صندوقها الخلفي، وضع الطفل بداخله برفق غريب لا يناسب ما فعله، ثم أغلقه بقوة.
انطلقت السيارة وسط المطر... واختفت في ظلام الطريق.
شهق عاصم بقوة وهو ينتفض من نومه.
فتح عينيه بصعوبة، وأنفاسه تتلاحق بعنف، بينما كانت قطرات العرق تغطي جبينه ورقبته رغم برودة الجو.
ظل لثوانٍ يحدق في السقف، يحاول استيعاب أنه كان مجرد كابوس...
لكن إحساس الخوف الذي يسكن صدره كان حقيقيًا أكثر مما ينبغي.
مرر يده على وجهه، ثم نهض متثاقلًا واتجه إلى الحمام.
وقف أسفل المياه الباردة عدة دقائق حتى هدأت أنفاسه قليلًا، ثم ارتدى ملابسه، التقط هاتفه، ومحفظته، ومفاتيح سيارته، وبعدها أخرج مسدسه، تأكد من طلقاته كعادته، وأعاده إلى الجراب المعلق بجانبه.
أغلق باب شقته ونزل درجات السلم بقلمي بيري النجار
وأثناء نزوله لمح غالية تفتح باب شقتها.
كانت تبدو مرهقة بصورة واضحة، وهالات سوداء تحيط بعينيها، وكأن النوم هجرها منذ أيام.
ابتسم لها قائلًا
صباح الخير يا دكتورة.
رفعت رأسها إليه، وبادلت ابتسامته بابتسامة باهتة.
صباح النور... يا متر... صح كده؟
ضحك بخفة وقال
صح يا دكتورة.
ضحكت هي الأخرى برقة، فبقي ينظر إليها للحظات دون أن يشعر، ولم ينتبه لنفسه إلا عندما اختفت ابتسامتها وعادت ملامح الإرهاق إلى وجهها.
تنحنح وقال
لو نازلة... أوصلك في طريقي.
هزت رأسها برفض خفيف.
لا، شكرًا... هتعبك.
ابتسم وهو يفتح لها باب السلم.
تعب إيه بس؟ ده أنا كده أنول شرف إن عربيتي تركبها دكتورة.
ابتسمت