جريمه في عماره 6 الفصل الرابع
جريمة في عمارة 6 الفصل الرابع للكاتبة بيري النجار
الفصل الرابع
انتقلنا إلى عاصم، الذي كان يقف أمام شركةٍ ضخمة، ومن الواضح أن جميع العاملين بها يعرفونه جيدًا، إذ أشار إليه الجميع وألقوا عليه التحية باحترام.
استقل المصعد حتى وصل إلى الطابق الأخير، ثم سار في ممرٍ طويل، إلى أن توقف أمام باب مكتبٍ زجاجي. ومن خلال الزجاج، رأى شابًا يجلس خلف مكتبه، يبدو في الثلاثينيات من عمره، يرتدي بدلة رسمية أنيقة، ومنشغلًا بتوقيع بعض الأوراق.
طرق عاصم بأظافر يده على الزجاج وهو يبتسم، فضحك الشاب الذي بالداخل، وأشار إليه بالدخول. وما إن دخل عاصم حتى نهض الشاب من مكانه، وتعانقا بقوة، وربت كلٌ منهما على كتف الآخر.
عاصم
وحشتني يا دوك غايب ليه كده
ضحك الشاب وقال
غايب بس ده انا مدفون هنا يا عم
ضحكا معًا، ثم جلس عاصم على الكرسي المقابل له.
الشاب
مالك طالما جيت يبقي في حاجه اشجيني
ابتسم عاصم ابتسامة بسيطة وقال
من كتر ما انت حافظني انت غايظني يا مهاب
ضحك مهاب جامد وقال
اتغاظ و ايه يعني
ساد الصمت بينهما لثوانٍ بعد الضحك،
موحشتكش؟ سألها مهاب بتردد، وقد بدا التوتر واضحًا في صوته.
تبدلت ملامح عاصم سريعًا، فاختلطت عليها مشاعر الزعل والضيق والغضب والكره، وأخيرًا الحنان والاشتياق، لكنه سرعان ما أخفى كل ذلك، ورسم على وجهه الجمود، وقال
لاء.
مهاب
طيب حتى مش عايز تعرف أخبارها او
قطع كلامه و قاله
متندمش الواحد انه جالك يقعد معاك يا اخي بقي
وهمَّ عاصم بالمغادرة، لكن مهاب أسرع إليه، وأوقفه قبل أن يرحل، وبعد عدة محاولات نجح في إقناعه بالجلوس.
اقعد بقي يا عم خلاص متبقاش عصبي كده
رد عليه عاصم
متجبليش سيرتها و انا مش هتعصب
ابتسم مهاب وربت على كتفه وقال
خلاص ياعم حاضر متزعلش نفسك
ثم جلس بجواره على الكنبة وقال
المهم قولي شرفتنا بزيارتك المتواضعه دي ليه خير
ابتلع عاصم ريقه وقال
الباشا شكله ناوي علي الغدر يا مهاب
قال مهاب بقلق
غدر غدر ايه ده و ليه ده انت تعتبر دراعه المين و عينه كمان
قال عاصم بحده
عشان حضرته بيعدل علي شغلي
قال مهاب باستغراب
بيعدل علي شغلك ازاي يعني و ده من امتي
رد عاصم بنرفزه
مش عارف انا نام قام ادخل في شغلي و ده يخلص في و قت كذا و ده لاء و ده اه مش فاهم ايه اللي حصل
بقلمي بيري النجار
ما إن قالت غالية للضابط إنها تعرف الحقيقة، حتى ثبت أدهم نظراته عليها وسألها بهدوء يخفي خلفه الكثير من الحزم
تعرفي إيه يا دكتورة؟
ارتبكت غالية، وشعرت بقطرات العرق تتجمع فوق جبينها، ثم قالت بتردد
أنا... أنا عارفة حكاية الهارد.
اتسعت عينا خلف في دهشة، والتفت إليها بسرعة، فقد كان ارتباكها وحده كافيًا ليزرع الخوف داخله.
أكملت غالية وهي تنظر إلى أدهم بثبات رغم توترها
الهارد مش مع عمو خلف... وعمو خلف أصلًا ما يعرفش عنه أي حاجة، ولا يعرف إيه اللي عليه.
أومأ أدهم برأسه وقال بصوت هادئ
بيري النجار
كويس إنك قولتي الحقيقة... لكن إحنا محتاجين الهارد، لأنه الدليل الوحيد اللي يخلينا نقدر نأمنكم.
هزت رأسها بقوة وقالت بحسم
الهارد ده... مستحيل يفارقني.
انتفض أدهم من مكانه، وضرب بكفه على المكتب وهو يقول بغضب مكتوم
إنتِ بتقولي إيه يا دكتورة؟ هو إحنا بنلعب؟ إنتِ بتكلمي مقدم شرطة، وأنا مش موجود هنا عشان آخد الهارد وأمشي. أنا جاي أحمي الدليل... وأحمي صاحب الدليل كمان. وبما إن الهارد معاكي، يبقى مسؤوليتي أأمنك إنتِ والهارد مع بعض.
وقفت غالية هي الأخرى، وقد اختلط الخوف بالغضب داخلها، وقالت بصوت مرتفع
حضرتك بتكلمني كده ليه؟ أنا مش برفض عشان أعاند، لكن الهارد فعلًا ما ينفعش يفارقني... مهما حصل.
ظل أدهم يحدق بها لثوانٍ طويلة، كأنه يحاول قراءة ما تخفيه خلف عينيها، ثم أخذ نفسًا عميقًا، وسيطر على غضبه، وعاد يجلس في هدوء من جديد.
بيري النجار
أما خلف، فكان ينظر إلى غالية بقلق يكاد يفتك به. لم يكن يفهم شيئًا مما يحدث، لكنه أدرك أن الأمر أخطر بكثير مما كان يتخيل. ما الذي يحتويه ذلك الهارد حتى تأتي قوة كاملة بقيادة مقدم شرطة من أجله؟ ولماذا تتمسك به غالية بهذه الطريقة وكأنه روحها؟
اقترب منها برفق، وأجلسها على المقعد بعدما لاحظ ارتجاف جسدها، ثم أحضر لها كوبًا من الماء ووضعه بين يديها.
وقال بحنان
اهدي يا حبيبتي...