جريمه في عماره 6 الفصل السادس عشر

جريمه في عماره 6 الفصل السادس عشر للكاتبه بيري النجار

لمحة نيوز

عندما عاد أدهم إلى المنزل، كان الوقت قد تأخر، والبيت غارقًا في سكونٍ تام. والداه بالتأكيد قد خلدا إلى النوم، لكن تُرى هل كانت هي الأخرى نائمة؟ أم أنها ما زالت مستيقظة، بعدما جعلته يتحايل على والدتها ويترجاها حتى توافق على بقائها والعمل معهم؟
بالطبع، من دون أن يقلقها عليها أو يخبرها بأي شيء يخص قضية أمير، تلك القضية التي تولّاها بنفسه وحسمها وأغلق ملفها.
مرّ أدهم بجوار غرفتها، لكنه توقف فجأة حين التقطت أذناه صوتًا خافتًا يشبه الأنين.
عقد حاجبيه، ثم اقترب من الباب ووضع أذنه عليه ليستمع جيدًا.
كانت تبكي...
بل كانت تئن وهي نائمة.
تردد للحظة، قبل أن تدفعه غريزة لا إرادية إلى فتح الباب والدخول.
وما إن دخل حتى تجمد مكانه من الصدمة.
كانت ليان نائمة، لكنها تتلوى بعنف فوق الفراش، ترفس بقدميها وكأنها تحاول الهرب من شيء يطاردها، وأنفاسها متقطعة، ورأسها يتحرك بسرعة يمينًا ويسارًا، بينما تنساب الدموع على وجنتيها.
سبوني... سبني... ابعد عني!
اتجه إليها أدهم مسرعًا، وجلس على حافة السرير، ثم حاول إيقاظها برفق.
ليان... ليان، اصحي. ده كابوس.
هز كتفها برفق، لكنها لم تستجب، بل استدارت على ظهرها وأحاطت رقبتها بذراعيها، وكأنها تحاول خنق نفسها دون وعي.
اتسعت عيناه بصدمة، ولم يشعر بنفسه إلا وهو يرفعها عن الفراش سريعًا، ثم جلس خلفها وأسندها إليه، ممسكًا بيديها حتى يمنعهما من الوصول إلى عنقها.
ضم ذراعيها إليه، وأخذ يهمس في أذنها بصوتٍ خافت، بينما يربت على ذراعيها بحركات هادئة ومتتابعة.
هش... هش... اهدي. اهدي يا ليان... إنتِ في أمان، خلاص. محدش هيأذيكي.
ظل يكرر الكلمات ذاتها، مرة تلو الأخرى، بصبرٍ لم يعتد أن يتحلى به.
أنا هنا... مفيش حاجة. اهدي بس... إنتِ في أمان.
شيئًا فشيئًا، بدأت أنفاسها تهدأ، وخفت حدة ارتجاف جسدها، حتى استكانت تمامًا بين ذراعيه.
تنفس أدهم براحة، ثم مد يده ومسح العرق المتجمع على جبينها، قبل أن يعيدها برفق إلى الفراش.
ظل للحظات يتأمل وجهها الهادئ بعد أن أرهقها ذلك الكابوس، ثم مرر يده على شعرها بحنان، وبدأ يقرأ بعض آيات القرآن بصوتٍ خافت، حتى اطمأن إلى أنها عادت إلى نومها الهادئ.
سحب الغطاء فوقها جيدًا، وظل واقفًا للحظات ينظر إليها بصمت.
ثم استدار وغادر الغرفة، وأغلق الباب خلفه بهدوء.
دخل أدهم إلى غرفته، وأغلق الباب خلفه، ثم ألقى بجسده على طرف السرير وأخرج هاتفه من جيبه.
فتح الشاشة، فوجد عددًا كبيرًا من الرسائل المرسلة من عدي، لكن إحداها تحديدًا استوقفت انتباهه؛ فقد كانت تحمل معلومة جديدة بشأن الرجل الذي ظهر انعكاسه في مرآة سيارة غالية بالصورة.
فتح الرسالة وقرأ
إحنا عرفنا مين اللي في الصورة يا أدهم. واحد اسمه عاصم عبد الدايم، محامي، وطول عمره بيطنطط من مكان لمكان، وبقاله زي ٥ سنين هنا في مصر.
ظل أدهم يحدق في الشاشة لثوانٍ، ثم ضغط على زر الاتصال بتركيزٍ واضح.
لم تمضِ سوى لحظات حتى جاءه صوت عدي النعسان من الطرف الآخر
إيه يا أدهم؟ الصبح قصر معاك في إيه يا أخي؟
رد أدهم بنفاد صبر
أخلص يا عدي. يطلع إيه عاصم ده؟ بتاع إيه يعني؟ محامي يعني إيه علاقته بغالية؟
تأفف عدي من الطرف الآخر، ثم قال بنبرة متذمرة
إيه يا عم؟ حملك عليا؟ إنت هتسهر ولا إيه؟
اتكأ أدهم إلى الخلف، وأخذ يمرر يده في شعره بشرود.
أيوه، دماغي مشغولة بألف حاجة ومش هعرف أنام، فَرَغّي واخلص.
تنهد عدي، ثم بدأ يشرح
طيب بص... هو زي ما قلتلك كده، حكايته غريبة حبتين. هو أصلاً يتيم، واسم عبد الدايم ده اسم الراجل اللي اتبناه وكبّره. اشتغل محامي، وكان محامي رجال أعمال، وبيسافر كتير.
صمت قليلًا، ثم أضاف
والجهاز عندي قالوا إنه ممكن تبقى صدفة عادية إنه يظهر في الصورة بتاعتها.
عقد أدهم حاجبيه، وظل ينظر أمامه وكأنه يحاول استدعاء ذكرى بعيدة.
بس أنا واثق إني شوفته في حتة قبل كده. إنت عارف... أنا مش بنسى العيون. والعين دي أنا شوفتها في حتة قبل كده.
جاءه صوت عدي مصحوبًا بتثاؤب طويل
يمكن يا أدهم شوفته في محكمة، في أي قضية من اللي كنت بتحقق فيها.
ظل أدهم صامتًا للحظات، ثم قال بنبرة تفكير
ماشي... هسيبك تنام، وأنا هقعد أفتكر أنا شوفته فين.
يا ريت يا أخي، عشان أنا حرفيًا مش شايف قدامي.
ابتسم أدهم ابتسامة خفيفة لم يلحظها عدي، ثم أنهى المكالمة ووضع الهاتف إلى جواره.
رفع عينيه إلى السقف، وأخذ يسترجع في ذهنه كل الوجوه التي قابلها خلال السنوات الماضية، وكل القضايا التي مرّت أمامه، محاولًا أن يعثر على الخيط الذي يربط بين عاصم عبد الدايم وغالية.
فشيءٌ ما بداخله كان يخبره أن ظهور عاصم في صورة غالية لم يكن مجرد صدفة.
وفعلًا أغلق معه، و...
نذهب إلى عدي.
كان جالسًا على سريره، يتصفح هاتفه بملل، حتى ظهرت أمامه رسالة من حساب يحمل اسم بنت كيوته.
ضحك فور أن رأى صورة الحساب القديمة للغاية، ثم أخذ يتأمل شكل الحساب الذي كان واضحًا جدًا أنه أُنشئ منذ وقت قصير.
تمتم ساخرًا وهو يقلب الهاتف بين يديه
واضح إن في حد داخل يتسلى...
وقبل أن يكمل، دخلت صاحبة الحساب تتحدث معه.
البنت هاي يا حلو.
ضحك عدي، ثم كتب لها
عدي هاي يا كيوته.
لم تمر سوى ثوانٍ حتى جاء ردها
البنت أنا عارفاك على فكرة.
توقفت ابتسامة

تم نسخ الرابط