غرام المغرور الفصل الرابع و العشرون
غرام المغرور الفصل الرابع و العشرون نسمة مالك
البارت الرابع والعشرون
بداية عشق ناضج!!
قرأت ذات مرة: إذا ضبطت نفسك متلبساً بالغيرة على إنسان ما، فتفقد أحاسيسك جيداً، فقد تكون في حالة حب وأنت لا تعلم..
وتأكد أن تمكنت الغيرة من إنسان عاشق تفقده صوابه.. تشوش العقل، ولا تسمح بالتفكير المتعقل، مثلها مثل الخمر..
"إسراء"..
شهقت فجأة، وقفزت راكضة، وهي تدفع "فارس" أمامها نحو غرفة الملابس قبل أن تُفتح "خديجة" الباب، عندما تذكرت أنه يقف بدون شيا من فوق..
ظلت تدفعه حتى اختفت به داخل الغرفة لحظة دخول "خديجة" التي تدفع عربة الطعام بحذر.. خلفها المدعوة "سوسو" تدور بعينيها بأرجاء الجناح بنظرات فضولية..
"أنت بتهزر يا فارس.. هتقابل السكرتيرة وأنت عريان كده؟!"
همست بها بنبرة غاضبة تخلو من رقتها، وهي ترمقه بنظرة حارقة..
صكت على أسنانها، ووقفت على أطراف أصابعها محاولة الوصول لوجهه، لكنها توقفت قبل أن تصل إليه، ليبتسم فارس وهو يبتعد خطوة عنها.
لتكمل هي بغيظ شديد قائلة..
"وبعدين تعالي هنا.. السكرتيرة دي تطلع أوضة نومك بتاع إيييييييييييه؟!"
صمتت فجأة، وجحظت عيناها بصدمة حين رأت "سوسو" عبر زجاج الغرفة العاتم تسير بغنج مصطنع بثيابها الفاضحة من وجهة نظرها..
"الله الله الله.. أنت فاتح كباريه؟! ولا شركة يا أبو الفوارس باشا؟!"
قالتها بغيرة واضحة، فضحك فارس من رد فعلها.
غيرتها الواضحة، والتي لم تستطع إخفاءها، جعلته في غاية السعادة، فقد شعر أن مشاعرها تجاهه أصبحت أوضح من أي وقت مضى.
"أنا بعترف إني بقيت مجنون بيكي يا إسراء."
قالها بصوت هادئ، إلا أن صوت "خديجة" جعلهما ينتبهان لوجودها.
"فارس أنت فين يا حبيبي؟!"
تنحنح بصوت عالٍ مغمغماً..
"ثواني وأجيلك يا ديجا."
أسرعت "إسراء" نحو ثيابه المعلقة بترتيب دقيق، وأحضرت كنزة من اللون الكافيه، ووضعتها بيده مدمدمة بجملة جعلته ينفجر بالضحك حين قالت..
"خد أستر نفسك يا سيدنا لفندي."
صوت ضحكاته جعل "خديجة" تضحك هي الأخرى باستحياء، ودفعت عربة الطعام نحو ركن مخصص لتناول الطعام داخل الجناح، وهي تتحدث بأمر موجهة حديثها إلى "سوسو" المنذهلة..
"هاتي الأوراق اللي في إيدك دي، واستني أنتي تحت."
دوى صوت "غفران" بأرجاء القصر، لتسرع "خديجة" نحو الخارج وهي تقول..
"فارس حبيبي.. غفران صاحبك وصل."
"خليه يطلع يا ديجا."
قالها بصعوبة بالغة من بين ضحكاته التي تدوي بفرحة غامرة تظهر عليه منذ سنوات عديدة..
توقف عن الضحك وأخذ نفساً عميقاً، وتحدث بجدية قائلاً..
"عارفة يا إسراء.. أنا ناوي أخلص من المشاكل اللي في حياتي، وأدي لأمي الفلوس اللي تكفيها حتى لو هكتبلها شيك على بياض، بس تسبني أعيش اللي باقي من عمري معاكي، وساعتها هعلن جوازنا قدام الدنيا كلها، وهفضي نفسي ليكي مخصوص وهاخدك وألف بيكي العالم وأعوضك عن كل لحظة ألم سببتهالك."
ابتسمت له ابتسامة خجولة، وهمست بتعقل وهي تساعده على ارتداء كنزته قائلة..
"نطمن على عيونك الأول، وبعدين نحل مشاكلك بهدوء، وخليني أفهمك أكتر، وكمان تجاوبني على أسئلة كتير محيراني مش لاقية ليها إجابة."
رقتها، وخجلها، وحتى نون الجمع التي تتحدث بها جعلت قلبه يمتلئ بالسعادة.
وبعد أن انتهت من ترتيب ياقة كنزته، أشارت إلى الطعام قائلة..
"يلا عشان تاكل من عمايل إيدي.. أنا عملتلك الأكل اللي ديجا قالتلي عليه إنك بتحبه."
ابتسم فارس وهو ينظر إلى الطعام، ثم قال بمزاح..
"أنا بحب الأكل اللي بتعمليه يا إسراء."
ضحكت إسراء، ثم أشارت له نحو الطاولة..
"طيب يلا كل قبل ما ييجي غفران."
.......................................
"ماله فارس يا ديجا؟!"
أردف بها "غفران" بوجه يظهر عليه القلق والخوف الشديد.
ابتسمت له "خديجة" مرددة..
"أهدي يا غفران وأطمن.. الحمد لله هو بقى أحسن، بس لازم دكتور يشوفه برضوا علشان يطمنّا أكتر، وبجد أنا آسفة إني قلقتك أوي بالشكل دا.. بس حالة فارس كانت صعبة جداً، ورفض الأكل بقاله يومين، وأنا عارفة إنك صاحبه الوحيد اللي بيسمع كلامه."
تنهد "غفران" بارتياح، ورمقها بنظرة عاتبة قائلاً..
"بتتأسفي على إيه يا ديجا.. أنتي عارفة إن فارس دا أنا بعتبره أخويا، وعمري ما اتأخر عليه أبداً."
ربتت "خديجة" على كتفه، ودفعته برفق نحو الدرج متمتمة..
"عارفة يا غفران.. ربنا يحفظكم لبعض.. تعالي أطلع هو مستنيك في أوضة."
"إحنا في انتظارك يا غفران باشا."
قالها إحدى الأطباء بعملية واحترام شديد..
صعد "غفران" برفقة "خديجة" حتى وصل لجناح "فارس"..
طرقت على باب الجناح، فأفاق فارس من شروده، بينما ابتعدت "إسراء" بهدوء عن المكان وجلست في الشرفة.
"ادخلي يا ديجا."
أردف بها "فارس" المبتسم بتساع.
فتحت "خديجة" الباب، وخطت للداخل خلفها "غفران"..
نظرات مندهشة.. مذهولة.. متعجبة.. جميعهم اعتلوا ملامح "غفران" حين رأى "فارس" الذي قابله بابتسامة واسعة ووجه مشرق تظهر عليه السعادة بوضوح، وتحدث بتهليل وترحيب بصوت جهوري..
"غفران أنت جيت يا غفران؟!"
رفع "غفران" كلتا حاجبيه، وابتسم باصطناع وهو يجيبه بنبرة مازحة..
"نسيت الشهقة ياض.. غفران أنت جيت شهقة يا غفران."
قهقه "فارس" بقوة مغمغماً من بين ضحكاته..
"لا التاني رمضان السكري.. أما أنت غفران الوزير المتحرش يا اسطا."
اقترب منه "غفران" بخطوات بطيئة مريبة، ورسم الغضب المصطنع على ملامحه..
توقف أمامه مباشرةً، وأشار إليه بإصبعه مردفاً بشك..
"واد أنت ضارب حاجة على المسا؟!"
ضحك "فارس" بقوة أكبر، ونظر له بعين واحدة، والأخرى مغلقة، وهمس بأذنه بصعوبة من بين ضحكاته..
نظر "غفران" لـ"خديجة" التي لم تتوقف عن الضحك من فرحتها لفرحة قلب عزيزها، وتحدث بجدية مصطنعة..
"طيب لو ممكن يا ديجا تتفضلي أنتي دلوقتي وابعتي الدكاترة اللي مستنيين تحت.. أنا كنت حاسس إننا مش هنكشف على عين الباشا بس، وعلشان كده جبت معايا دكاترة تخصصات تانية خلينا نعمله بالمرة فحص شامل من كله؟!"
تفهم "فارس" مغزى حديث صديق عمره، فقهقه مجدداً بقوة أكبر..
شهقت "خديجة" هي الأخرى بخجل، وفرت مسرعة لخارج الجناح، خاصةً عندما قال "فارس" بثقة..