الفصل السادس عشر غرام المغرور .
غرام المغرور الفصل السادس عشر نسمة مالك
البارت السادس عشر
عناق حار!!..
"فارس"..
يجلس بجوار "إسراء" على الفراش ممسكاً كف يدها بين يديه رغم اعتراضها المستمر، أثناء فحص الطبيبة لها. وبنفاذ صبر وغضب تحدث موجهاً حديثه للطبيبة:
"ما تتكلمي قوليلي مالها، وإيه سبب الإغماء اللي حصلها دا؟!"
أجابته الطبيبة على الفور:
"هي كويسة يا فارس باشا.. بس ضغطها عالي شوية، وأنا اديتها العلاج اللازم وهتبقى أحسن إن شاء الله".
تنفس "فارس" براحة، ونظر إلى "إسراء" قائلاً:
"اطمني طول ما أنا جنبك.. هتبقي كويسة.. متخفيش".
بكت "إسراء" باصطناع، وقد بدأ ضغطها يعلو ويهبط في آن واحد، وبغيظ شديد قالت:
"مين ضحك عليك وقالك إني ببقى كويسة في وجودك.. أنت ناوي تجلطني، ولا تشلني يا جدع أنت؟!"
قطعت حديثها واتسعت عيناها بصدمة أكبر حين حملها بين يديه بلهفة وأجلسها على الفراش، وقال لها باهتمام:
"بعد الشر عنك.. قلتلك أنا جنبك ومعاكي مش هخلي حاجة تزعلك ولا تضايقك".
نظر لها بثقة وغروره المعتاد، مكملاً:
"وبعدين أنتي بقيتي في رعاية فارس الدمنهوري، يعني تنسي الدنيا والناس وأي تعب أو زعل جواكي".
تنظر له بفم مفتوح ببلاهة. لم يستطع عقلها استيعاب حديثه وأفعاله معها، وتعجز حقاً عن وصفه بأي كلمة، فجرأته وغروره فاقا كل توقعاتها.
اقتربت "خديجة" الواقفة تتابع ما يحدث بأعين منذهلة من تصرفات ابن أخيها الغريبة كلياً عليه، وكأنه أصبح شخصاً آخر بفضل ساحرته. جلست على الفراش بجوارهما بعدما استنجدت بها "إسراء" بنظرها أن تنقذها من تصرفاته.
وأردفت بحدة قائلة:
"روح أنت مشوارك يا فارس وأنا هفضل جنبها.. البنت مش حمل عمايلك دي كلها".
مدت "إسراء" لها يدها تحثها على مساعدتها، فضحك "فارس" على هيئتها وقال بمزاح:
"حتى لو قولتلها أوبح يا بيبي، محدش يقدر ياخدك مني".
ثم تركها تستريح على الفراش، وتراجع خطوة إلى الخلف.
نظرت "خديجة" إليه بخجل شديد، وهي تقول:
"ولد يا فارس إيه اللي بتعمله دا؟ أنت اتجننت.. اتأدب عيب كده".
نظرت للطبيبة والممرضة الواقفتين يتابعان ما يحدث بابتسامة بلهاء، وأكملت بأمر:
"اتفضلوا على شغلكم يلا".
لم يستمع "فارس" لحرف مما قالته، فهو منشغل بالاطمئنان على "إسراء". حتى شعر بأنها بدأت تستعيد نشاطها، فتراجع عنها على مضض، وأجلسها على الفراش، وهب واقفاً يهندم ثيابه، وبتنهيدة قال:
"هروح أجيبلك إسراء الصغيرة وأجيلك على طول".
تهللت أساريرها، وتلاشى غضبها حين استمعت لاسم صغيرتها وعودتها لها. كم تشتاقها كثيراً، وتود رؤيتها واحتضانها حتى لو تحملت بعدها أي شيء.
فرحتها التي ظهرت على ملامحها جعلت قلب هذا الفارس يسعد. ابتسم لها مردداً بثقة أثارت استفزازها مرة أخرى:
"مش هتأخر عليكي علشان عارف إنك مستنياني".
ختم جملته، ثم سار لخارج الجناح بخطواته الواثقة.
تاركاً "إسراء" خلفه في حالة من الذهول، وتحدثت قائلة:
"والله ما طبيعي اللي بيعمله معايا دا!!"
ضحكت "خديجة" برقة على هيئتها، وتحدثت باستغراب قائلة:
"هو فعلاً مش طبيعي خالص.. دا مش فارس اللي أنا ربيته.. أنتي خلتيه واحد تاني".
"ثواني بس.. أنا آسفة في اللي هقوله، هو دا كده بحركاته واللي بيعمله معايا حضرتك ربيتيه؟!"
قالتها "إسراء" مستفسرة بابتسامة مصطنعة تظهر جميع أسنانها.
رسمت "خديجة" الغضب على ملامحها، جعل الإحراج يعتلي وجه "إسراء" وهمت بالاعتذار منها ثانية، لكنها ضحكت فجأة بشدة وأجابتها بأسف:
"بصراحة هو كده ماشافش تربية خالص هههههه".
ضحكت "إسراء" على ضحكاتها.
ربتت "خديجة" على ظهرها مردفة بطيبة:
"أيوة كده اضحكي.. ضحكتك جميلة أوي ما شاء الله عليكي".
"إسراء": "أنتي اللي أجمل، وشكلك طيبة أوي مش زي فارس باشا المغرور".
دفعتها "خديجة" برفق على الفراش متمتمة بجدية مصطنعة:
"اممم.. وأنتي شكلك تعبان أوي ومحتاجة تنامي وترتاحي.. علشان لما بنوتك تيجي تقدري تقعدي معاها وأنتي فايقة".
تمددت "إسراء" على الفراش وأغلقت عينيها بتعب، وعلى وجهها ابتسامة أكثر من سعيدة بعودة ابنتها لها. لتتسع ابتسامتها دون إرادتها وهي تتذكر أفعال هذا الفارس، ونهرت نفسها حين شعرت أن جزءاً ما بداخلها بدأ يتأثر باهتمامه.
فهي في الآخر إنسانة، ومن الطبيعي أن تتأثر بالكلمة الطيبة والاهتمام الصادق، لكنها ما زالت تحمل في قلبها ذكرى زوجها الراحل.
ظل يتردد بذهنها حديثه معها وكلماته التي أثرت فيها، حتى غرقت بنوم عميق، ليهاجمها حلمها المعتاد عما حدث لزوجها.
.. فلاش بااااااااااك..
قبل تسعة أشهر..
"إسراء"..
تجلس على ركبتيها أمام زوجها "رامي" الجالس أرضاً على سجادة الصلاة بعدما انتهى من أداء صلاة الفجر، مستنداً بظهره للحائط، ضاماً ركبتيه لصدره، خافضاً رأسه ويتحدث بصوت يملؤه الأسى:
"طردوني بعد ما طلعوني حرامي ومرتشي، ومكتفوش بكده كمان، وبعتوا الملف بتاعي لكل الشركات المتخصصة في مجالي علشان محدش يقبل يشغلني عنده يا إسراء".
أطبقت جفنيها بقوة تكبح عبراتها، ورسمت ابتسامة رضا بقضاء الله، ومدت يدها واحتضنت وجهه بين كفيها جعلته ينظر لها، لتتفاجأ بعينيه المملوءتين بالعبرات التي تأبى الهبوط، وبغصة مريرة قال: