غرام المغرور الفصل الثالث
غرام المغرور الفصل الثالث نسمه مالك
— «فارس باشا، أنا سيد شعلان، مدير المصنع اللي كان شغال فيه رامي حسنين.»
وفي تلك اللحظة جذبت إسراء حقيبتها من يد أحد الواقفين، وقالت:
— «شنطتي.»
ابتعد فارس بنظره عنها على مضض، ثم نظر إلى سيد وسأله بصرامة:
— «ليه ما تصرفش لأهل رامي معاشه لغاية دلوقتي يا أستاذ سيد؟»
أجابه الرجل سريعًا:
— «لأنه اترفد من الشغل يا فندم، بعد ما اتمسك وهو بيسرق.»
اشتعل الغضب داخل إسراء، فصرخت:
— «أخرس! قطع لسانك! أنا جوزي أشرف منك ومن اللي مشغلكم كلهم!»
ساد الصمت للحظات.
ثم قالت بهدوء أشد من صراخها:
— «يا سيد يا حرامي... إنت اللي بتسرق الراجل!»
تجمد الرجل في مكانه.
أما إسراء فالتفتت إلى فارس وقالت:
— «المغرور ده ولبّسها لجوزي الغلبان، وموته بحسرته بعد ما اتهمه إنه اللي سرق.»
ثم تابعت بثقة:
— «بس ربنا ما بيرضاش بالظلم. وجوزي قبل ما يموت حكى لي عن حاجات كتير حصلت هنا، وكنت ناوية أقولها لصاحب الشركة.»
شحبت ملامح سيد، وازداد اضطرابه وهو يتنقل بنظره بينها وبين فارس، الذي ظل واقفًا يراقب المشهد بصمت مريب.
أخذت إسراء نفسًا عميقًا، ثم نظرت إلى فارس باحتقار:
— «بس اطمن يا سيد يا حرامي... أنا مش هحكي لولي نعمتك عن عمايلكم السودة، خصوصًا بعد ما شوفت كمية الغرور اللي عنده دي.»
أنهت جملتها، ثم سارت من أمامهم جميعًا.
أسرع سيد خلف فارس، وقال بخوف واضح:
— «دي بتكدب يا فارس باشا! أنا شغال مع سيادتك من أكتر من خمستاشر سنة، من أيام محمد باشا والد حضرتك، وتاريخي يشهد عليا.»
رفع فارس يده يأمره بالصمت، ثم قال بصرامة:
— «هاتلي ملف رامي على مكتبي حالًا.»
— «أمرك يا باشا.»
انتظر سيد حتى اختفى فارس عن الأنظار، ثم نظر إلى أحد الرجال الواقفين بجواره وقال بنبرة حاسمة:
— «البنت دي لازم تسكت بأسرع وقت... قبل ما تقول للباشا اللي تعرفه عننا. عايز كل الطرق تتقفل قدامها، ومحدش يساعدها بأي شكل.»
ابتسم الرجل ابتسامة خبيثة:
— «طبعًا مفهوم... دي يا رقبتها يا رقبتنا يا كبير.»
وفي الوقت نفسه، أرسل فارس رسالة إلى حراسه:
«عايز حراسة مكثفة على البنت اللي هتخرج من الشركة دلوقتي.»
ثم حرك رأسه بيأس وتمتم:
— «مش هيسبوها بعد كلامها ده.»
نهاية الفلاش باك...
ترجل فارس من سيارته، ثم قاد بنفسه، بينما تبعته سيارات حراسته الخاصة، متجهًا إلى العنوان الذي توجد فيه تلك «الساحرة» كما بدأ يطلق عليها في ذهنه.
........................................
كانت إسراء قد جلست لفترة على جانب الطريق، تحاول استعادة قدرتها على الوقوف.
داهمها دوار عنيف من جديد، وبدأ جسدها يرتجف بوضوح.
كانت تتصبب عرقًا رغم شعورها ببرودة شديدة تكاد تخترق عظامها.
استطاعت الوقوف بصعوبة، ثم اتجهت نحو أحد المتاجر، ومدت يدها لتدفع الباب الزجاجي.
لكن رجل الأمن أوقفها قائلًا:
— «ملكيش شغل هنا يا ست... اتكلي على الله يلا.»
تلاحقت أنفاسها، ونظرت إليه بدهشة:
— «إنت عرفت إزاي إني هسأل على شغل؟ وبعدين ما إنتوا معلقين ورقة على الباب أهي، طالبين ناس تشتغل.»
قال الرجل بتوتر:
— «يلا يا ست، من هنا الله لا يسيئك... مش ناقصين نصايب.»
راحت عيناه تتنقلان بينها وبين سيارة ذات زجاج داكن تقف على مقربة منهما.
لاحظت إسراء ذلك، لكنها لم تفهم شيئًا.
امتلأت عيناها بالدموع، وتمتمت لنفسها:
— «هو إيه اللي بيجرالي ده يا ربي؟ كل ما أدخل مكان يقولولي ملكيش شغل عندنا... أروح فين بس يا رب؟ أنا تعبت أوي.»
لم تكن تعلم أن أبواب العمل التي تُغلق في وجهها لم تكن صدفة.
كانت قد دخلت دون أن تدري في دائرة مغلقة، تحيط بها مجموعة من الرجال الفاسدين داخل شركة الدمنهوري، بعدما أعلنت أمام فارس أنها تعرف أسرارًا قد تفضحهم.
ولهذا كان التخلص من مصدر الخطر بالنسبة لهم أهم من أي شيء آخر.
ظلت إسراء تسير في الطرقات بلا هوادة، وخطواتها المرتجفة تفضح حجم التعب الذي أنهك جسدها.
كانت عيناها ممتلئتين بالدموع، لكنها أبت أن تسمح لها بالسقوط.
ضاقت بها الدنيا من كل جانب.
كيف ستعود إلى المنزل دون علاج لوالدتها؟
ودون طعام لصغيرتها؟
استمرت في السير حتى توقفت بجوار أحد المطاعم.
تطلعت إلى الجالسين في الداخل بخجل شديد، وقلبها يعتصر ألمًا.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم دفنت ما تبقى من كبريائها تحت وطأة الحاجة، واتجهت إلى إحدى العاملات.
قالت بصوت خافت:
— «لو سمحتي يا آنسة... مش عايزين حد يشتغل معاكم هنا؟»
رمقتها الفتاة بنظرة سريعة إلى ملابسها البسيطة، ثم أجابتها بأسف:
— «لا، مش عايزين.»
اقتربت إسراء خطوة، وقالت برجاء:
— «طيب... ممكن تديني أي حاجة أكلها؟ حتى لو بواقي أكل من اللي بترموه؟»
وقبل أن تسمع الرد، شعرت بيد تمسك بمعصمها.
استدارت بغضب، ثم اتسعت عيناها حين وجدت أمامها الرجل الذي لم تتوقع رؤيته هنا.
فارس.
أما فارس، فما إن رأى شحوب وجهها حتى تبدلت ملامحه.
حاول أن يجعل نبرته أكثر هدوءًا، لكنها خرجت جافة كعادته:
— «اهدي يا إسراء... أنا هنا علشان أساعدك.»
همست بضعف:
— «مش عايزة مساعدة منك إنت بالذات.»
وحاولت أن تبتعد عنه، لكن جسدها خانه في اللحظة نفسها.
توقفت أنفاسها للحظات، وشعرت أن قوتها كلها تتلاشى دفعة واحدة.
وقبل أن تتمكن من مقاومة الدوار، أغمضت عينيها واستسلم جسدها للإعياء، لتسقط بين ذراعي فارس من جديد.
تجمد في مكانه وهو ينظر إلى وجهها الشاحب، ثم رفع عينيه نحو رجال الحراسة بنظرة حادة.
ولأول مرة منذ بداية تلك الحكاية، لم يشعر فارس بالغضب منها...
بل شعر بالخوف عليها.
لأنه بدأ يدرك أن ما يحدث لإسراء أكبر بكثير من مجرد فتاة تبحث عن معاش زوجها.
هناك سر...
وسر خطير، جعل الجميع يريدون إسكاتها.
والسؤال الوحيد الذي ظل يطارده:
ماذا تعرف إسراء عن شركة الدمنهوري؟