جريمة في عمارة 6 الفصل الحادي عشر

جريمة في عمارة 6 الفصل الحادي عشر للكاتبة بيري النجار

لمحة نيوز


وكان حسين قد دخل غرفته ليمنحهما بعض الخصوصية، لكنه خرج مسرعًا على صوت زوجته وهي تصرخ
الحق يا أدهم يا بني!
لم يتردد أدهم.
حمل ليان بين ذراعيه واتجه بها إلى غرفة الضيوف، ثم جلس على حافة السرير بركبةٍ واحدة، وأنزلها فوق الفراش بمنتهى الحذر، وكأن أقل حركةٍ قد تؤذيها.
تراجعت سُهير لتجلس بجوارها، تتحسس نبضها وتزيح خصلات شعرها عن وجهها.
وقف أدهم لحظةً يتأملها بصمت، ثم التفت إلى والدته وقال بنبرةٍ أكثر هدوءًا
بكرة يحلها ربنا... بس عينك متغبش عنها يا ست الكل.
ثم أضاف بعد لحظة صمت
إحنا برضه منعرفهاش... إذا كانت بتكدب ولا لأ.
أومأت سُهير في هدوء، دون أن ترد.
اقترب أدهم منها، وقبّل رأسها بحب، ثم قال
تصبحي على خير.
غادر الغرفة بخطواتٍ بطيئة، وأغلق الباب خلفه بهدوء.
دخل غرفته، وظل واقفًا أمام النافذة لدقائق طويلة، يستعيد كلمات ليان ودموعها، بينما ظل ذلك الاسم يدور في رأسه بلا توقف.
تنهد أخيرًا، وألقى بجسده فوق الفراش.
لكن النوم لم يأتِ إليه بسهولة، فقد كانت صورتها المرتجفة، وهي ترفع رأسها إليه بعينين ممتلئتين بالخوف، تلاحقه كلما أغمض عينيه.
استمرَّ عاصم واقفًا في مكانه، وعيناه معلقتان بالمشهد الذي اشتعل أمامهما غضبًا. كان يرى سيلمان يحتضن غالية، رافعًا إياها عن الأرض، بينما كانت تبكي بانهيار، تدفن وجهها في كتفه، مستندة إليه وكأنها فقدت القدرة على الوقوف.
اشتدَّت ملامحه قسوة، وانقبض فكه حتى برزت عضلاته. أخرج هاتفه المحمول في هدوءٍ يخالف ما يعتمل داخله، والتقط صورة واضحة لسيلمان وهو يحمل غالية، ثم أرسلها عبر تطبيق واتساب إلى أحد رجاله.
كتب باقتضاب
اعرفلي ده مين... شغال إيه... وتبع مين.
لم ينتظر ردًا، أغلق الهاتف، ثم حرَّك سيارته وانطلق مبتعدًا، بينما ظل المشهد عالقًا في ذهنه.
بقلمي بيري النجار
أما سيلمان، فلم يُنزِل غالية إلا بعدما شعر بأن أنفاسها قد انتظمت تمامًا، لكنها لم تفتح عينيها، فأدرك أنها فقدت وعيها من شدة الانهيار.
أعادها برفق إلى المقعد المجاور، وأغلق الباب، ثم جلس خلف المقود وأدار المحرك.
طوال الطريق، كان يختلس إليها النظرات بين الحين والآخر، يراقب ملامحها الشاحبة، ويتأكد أنها لا تزال تتنفس بصورة طبيعية.
حتى توقفت السيارة أخيرًا أسفل البناية التي تسكنها.
ترجَّل سريعًا، وفتح الباب المجاور، ثم انحنى قليلًا وهو يهز كتفها برفق.
غالية... يا غالية... يلا، وصلنا.
لكنها لم تجبه.
ظل يناديها أكثر من مرة، دون أي استجابة.
زفر بهدوء، ثم حملها بين ذراعيه وهو يتمتم
ساكنة في أنهي دور دي دلوقتي...؟ أعمل إيه؟ أخبط على شقة شقة ولا إيه؟
وفي تلك اللحظة، خرج عم رمضان، بواب العمارة، يحمل كيس القمامة متجهًا إلى الخارج.
ما إن وقع بصره على غالية حتى أسرع نحوه في فزع.
مالها الدكتورة؟! وإنت مين يا جدع إنت؟
أجابه سيلمان بهدوء
أنا الدكتور سيلمان... زميل الدكتورة غالية. تعبت شوية وهي في الطريق، فجبتها أوصلها لحد شقتها.
تنفس الرجل براحة وهو يهز رأسه.
آه... طيب تعال معايا.
اتجه إلى المصعد، فتح بابه، ثم ضغط على زر الطابق العاشر.
ظل واقفًا بجواره حتى وصلا، ثم أشار إلى إحدى الشقق.
هي دي شقتها يا دكتور.
ثم أضاف وهو يلتفت ناحية الشقة المقابلة
بس أنا هخبط على الدكتور خلف... كان قلقان عليها، وقال لي أول ما تيجي أبلغه.
التفت إليه سيلمان بسرعة، وقال بنبرة هادئة لكنها حاسمة
لأ... لأ... الوقت متأخر، سيبه بلاش تقلقه.
نظر إليه عم رمضان باستغراب، لكنه لم يعلِّق.
أخرج المفتاح الاحتياطي، وفتح باب الشقة، ثم دخل خلفه وهو يقول
معلش يا دكتور... مينفعش أسيبك لوحدك.
ارتسمت على شفتي سيلمان ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيه.
تقدَّم إلى أقرب غرفة، ووضع غالية برفق فوق السرير، ثم اعتدل واقفًا.
غير أن عينيه لم تكونا منصبتين عليها وحدها.
كانتا تتحركان في أنحاء الغرفة والشقة كلها، في نظرات سريعة ومدروسة، كأنهما تبحثان عن شيء بعينه.
شيء يعرف أنه موجود...
أو يتوقع وجوده.
لكن لم يبدُ على وجهه أي تعبير.
استدار أخيرًا، وخرج مع عم رمضان، ثم أغلقا باب الشقة خلفهما.
وأثناء نزولهما بالمصعد، وما إن توقف في الطابق الأول، حتى انفتح الباب ليظهر أمامهما عاصم، الذي كان ينتظر الصعود.
تبادل الجميع النظرات لثوانٍ.
التفت عاصم إلى عم رمضان وسأله بهدوء
مين ده يا رمضان؟
ابتسم الرجل مجيبًا
ده الدكتور سيلمان... زميل الدكتورة غالية. يا حبة عيني كانت دايخة، وهو اللي وصلها... وأنا كنت معاهم طبعًا.
هزَّ عاصم رأسه ببطء، بينما كانت عيناه لا تفارقان سيلمان لحظة واحدة.
لم يكن ينظر إليه كأي شخص عادي.
بل كان يراقب أدق التفاصيل...
طريقة وقوفه.
اتزان جسده.
حركة كتفيه.
نظراته الثابتة.
وحجم بنيته العضلية التي لا تشبه أبدًا طبيبًا جامعيًا يقضي أغلب وقته بين قاعات المحاضرات والمعامل.
ثم تذكَّر في لمح البصر ما حدث أثناء المداهمة.
تلك الطريقة الاحترافية التي أشهر بها سلاحه.
الثبات الذي ضغط به على الزناد.
ووضعية الإمساك التي لا يمتلكها شخص اشترى مسدسًا مرخصًا فقط ليحمي نفسه.
كل تلك الملاحظات كانت تتدافع داخل عقل عاصم، بينما ظل يثبت نظره على الرجل المقابل.
انتشله من شروده صوت سيلمان، وهو يمد يده بابتسامة هادئة.
أهلًا وسهلًا.
صافحه عاصم ببرودٍ واضح، وقال بصوت خالٍ من أي ود
أهلًا... نورت.
وما إن لامست كفه كفَّ سيلمان حتى سحب يده سريعًا، ثم استدار واتجه إلى المصعد دون أن يلتفت خلفه.
بقلمي بيري النجار
دخل عاصم شقته، وأغلق الباب بإحكام.
اتجه مباشرة إلى الغرفة التي أخفى بداخلها أجهزة المراقبة، ثم جلس أمام الشاشة وبدأ يراجع بث الكاميرات المزروعة سرًا داخل شقة الدكتور خلف.
مرَّت الدقائق وهو يتنقل بين الكاميرات واحدة تلو الأخرى.
لكن شيئًا واحدًا لفت انتباهه.
الدكتور خلف...
غير موجود.
لا في غرفة المعيشة.
ولا المكتب.
ولا المطبخ.
ولا حتى شرفته المعتادة.
اعتدل في جلسته، وقد ارتسمت على وجهه علامات الاستغراب.
همس لنفسه
راح فين؟
ظل يفكر، يحاول ربط الخيوط ببعضها، حتى اهتز هاتفه معلنًا وصول رسالة جديدة.
كانت من الرجل الذي كلَّفه بجمع المعلومات عن سيلمان.
فتحها فورًا.
وبمجرد أن وقعت عيناه على أول السطور...
ساد الصمت.
تجمَّدت ملامحه.
وانعكست على عينيه نظرة غامضة، امتزجت فيها الدهشة بالحذر...
وكأن ما قرأه للتو، غيَّر قواعد اللعبة بأكملها بقلمي بيري النجار

تم نسخ الرابط