جريمة في عمارة 6 الفصل الحادي عشر
جريمة في عمارة 6 الفصل الحادي عشر للكاتبة بيري النجار
الفصل الحادي عشر
فتحت لها سُهير الباب على عجل، وما إن وقعت عيناها على ملامح الفتاة الشاحبة حتى ارتسم القلق فوق وجهها، وقالت بحنانٍ صادق
يا عيني عليكي يا بنتي... ادخلي، اتفضلي.
ترددت ليان للحظة، وقد انعقد الخوف في أطرافها، حتى إنها بدت عاجزة عن تحريك قدميها. فمدّت سُهير يدها إليها برفق، وربتت على كفها قائلة بابتسامة مطمئنة
تعالي يا بنتي... ماتخافيش.
خطت ليان إلى الداخل بخطواتٍ مترددة، وعيناها تدوران في أرجاء الشقة بحذرٍ بالغ. أجلسَتها سُهير على أحد مقاعد الصالون، ثم اتجهت إلى المطبخ لتُحضّر لها كوبًا من الليمون بقلمي بيري النجار
بقيت ليان وحدها لثوانٍ، تتأمل المكان بصمت. كانت الشقة بسيطة، لكنها تنبض بدفءٍ غريب، ذلك الدفء الذي يبعث الطمأنينة في النفوس، وكأن الجدران نفسها اعتادت احتضان أصحابها بالمحبة.
وفجأة، انتبهت إلى همساتٍ خافتة تنبعث من الغرفة المجاورة للمطبخ.
رفعت رأسها بقلق، وما هي إلا لحظات حتى فُتح الباب، وخرج منه رجلٌ خمسينيّ ذو هيبةٍ واضحة، يرتدي رداءً منزليًا فوق بيجامة النوم. توقف أمامها وقال بصوته العميق الهادئ
أهلًا وسهلًا يا بنتي.
رفعت إليه نظرها للحظة، ثم همست بخجلٍ شديد
شكرًا.
وفي تلك اللحظة، عادت سُهير وهي تحمل كوب الليمون، فوضعته أمامها برفق، ثم جلست إلى جوارها.
أما ليان، فلم تستطع منع نفسها من التساؤل عن هوية ذلك الرجل، ولماذا اختفى سريعًا بعد أن رحب بها.
انتبهت على لمسةٍ حانية فوق كتفها، إذ قالت سُهير بصوتٍ مليءٍ بالأمان
ماتخافيش يا حبيبتي... إنتِ في آخر مكان ممكن تخافي فيه.
دفعت إليها الكوب برفق وأضافت
اشربي الليمون واهدي... وبعدين احكيلنا إنتِ مين، وبتجري ليه؟ ومين الناس اللي كانوا بيجروا وراكي دول؟
تناولت ليان الكوب بيدٍ ترتجف ارتجافًا واضحًا، وارتشفت منه رشفةً صغيرة، ثم أعادته إلى الطاولة. تنحنحت محاولةً ترتيب أنفاسها، وقالت بصوتٍ خافت
أنا... اسمي ليان.
ظل حسين وسُهير ينصتان إليها باهتمامٍ كامل.
وفي تلك الأثناء، فتح أدهم باب غرفته فتحةً صغيرة لا تسمح لها برؤيته، بينما تمنحه القدرة على سماع كل كلمة.
أما ليان، فكانت تحدق في الأرض منذ جلست، وكأنها تخشى أن ترى في أعينهم شكًا أو احتقارًا.
ابتلعت ريقها، ثم تابعت
أنا شغالة عند لواء... في الشارع اللي كنت بجري فيه.
رفعت بصرها نحو سُهير للحظة وقالت
الراجل اللي جابني هنا... عارفه.
ابتسمت لها سُهير ابتسامةً مشجعة، ولم تقاطعها.
فعادت ليان تخفض رأسها من جديد، وأكملت
مكنش حد من عيلته موجود... غير ابنه أمير. هو في ثانوي... يعني أنا أكبر منه.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تضيف بصوتٍ مكسور
بصاته ليا... عمرها ما كانت مريحة.
توقفت قليلًا، ثم قالت وهي تعصر أصابعها من شدة التوتر
استغل النهارده إن عيلته مش موجودة...
رفعت عينيها إلى حسين، وقد امتلأتا بالدموع، وقالت بسرعة وكأنها تدافع عن نفسها
والله أنا مبروحش هناك إلا لما أبقى عارفة إن الهانم موجودة... أو إن البيت فاضي. بروح أنضف وأكنس وأمسح وأروق وأطبخ... وبمشي.
أومأ حسين برأسه في هدوء، إشارةً إلى أنه يفهم ما تقصده، ولم يقاطعها.
أما هي، فلم تعد قادرة على تماسك نفسها.
انهارت دموعها بغزارة، وأخذت الكلمات تتعثر بين شهقاتها حتى صار من الصعب تمييزها.
وبصعوبةٍ بالغة استطاعت أن تقول
امير... اتهجم عليّا...
ثم شهقت بقوة، وأضافت
أنا ضربته بضهر التمثال... وجريت... والله معرفش مين الناس اللي كانوا بيجروا ورايا.
داخل غرفته، كان أدهم يقبض على يده بقوة حتى برزت عروقها، وشدّ فكه بعنف.
لأول مرة منذ سنوات، شعر برغبةٍ حقيقية في أن يحطم عظام شخصٍ بيديه.
اقتربت سُهير من ليان، ولم تتمالك دموعها هي الأخرى، فاحتضنتها بحنانٍ أمومي، وربتت على ظهرها وهي تردد
خلاص يا حبيبتي... خلاص.
أما حسين، فاكتفى بالنظر إلى زوجته، ثم أشار إليها بعينيه إشارةً واضحة لا تتركيها ترحل.
فهمت سُهير مقصده.
وبعد أن هدأت ليان قليلًا، عرضت عليها أن تبقى معهم حتى تستعيد أنفاسها.
رفضت ليان في البداية بإصرار، لكنها أمام إلحاح سُهير وصدق اهتمامها، وافقت أخيرًا على المبيت عندهم.
وفي تلك اللحظة، انفتح باب الممر، وخرج أدهم.
كان وجهه جامدًا، وصوته خشنًا حين قال
مين اللواء اللي إنتي اشتغلتي عنده؟
انتفضت ليان من مكانها، ونهضت واقفةً تلقائيًا.
اقتربت منه خطوةً صغيرة، ثم رفعت رأسها إليه بسبب فارق الطول الكبير بينهما، وقالت بخوفٍ واضح
بالله عليك... أنا مش عايزة أذية ولا مشاكل. خلاص... أنا من بكرة هدور على بيت تاني أشتغل فيه.
نظر إليها بعينين مشتعِلتين، وقال بحدة
تشتغلي أو لأ... دي حاجة تخصك.
ثم اقترب خطوة، وأردف بصوتٍ أكثر صرامة
إنما اللي يخصني... إن يبقى في واحد وسخ عايش في شارع كله ناس محترمة. إحنا كلنا في كومباوند واحد... واللي يغلط عندنا، ملوش مكان وسطنا.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم صاح فجأة
انطقي!
ارتجف جسد ليان كله.
اتسعت عيناها، وكأن الصرخة أيقظت بداخلها كل ما حاولت دفنه منذ ساعات.
تحركت شفتاها، وكأنها ستنطق بالاسم...
لكن الكلمات لم تخرج.
شحبت ملامحها فجأة، وتلاشى الضوء من عينيها، ثم ترنح جسدها إلى الخلف.
وقبل أن يرتطم رأسها بالأرض، اندفع أدهم والتقطها بين ذراعيه.
توقفت أنفاسه للحظة وهو يشعر بخفة جسدها، وبأنفاسها الدافئة تلامس عنقه في هدوءٍ يناقض الفوضى التي عمّت المكان.
شهقت سُهير بفزع وهي تهتف
اسم الله عليها... يا بنتي!