جريمة في عمارة 6 الفصل العاشر
جريمة في عمارة 6 الفصل العاشر للكاتبة بيري النجار
محصلش... كان معاها واحد كده في العربية، وضرب نار على الرجالة وخلع منهم.
ساد صمتٌ قصير، قبل أن يسأله الباشا بنبرةٍ حملت قلقًا غريبًا
طيب... هي كويسه؟
قطب عاصم حاجبيه من غرابة السؤال، ثم أجاب باستغراب
آه... كويسه. بس كده رجاله المحمدي اتأكدوا إن الهارد معاها.
جاءه صوت الباشا هادئًا، لكنه يحمل يقينًا واضحًا
وإحنا كمان... كده اتأكدنا إن الهارد معاها.
بقلمي بيري النجار
كان أدهم يقود سيارته عائدًا من عمله، ولم يكن يفصله عن منزله سوى عدة شوارع. وبينما يمر بأحد الشوارع الجانبية المعتمة، لفت انتباهه مشهد فتاة تسير وحدها، تبكي بصمت، وتلتفت حولها كل بضع خطوات، تنظر يمينًا ويسارًا، ثم تلتفت خلفها وكأنها تتوقع أن يخرج لها أحد من الظلام.
عقد حاجبيه في استغراب، ثم أبطأ سرعة السيارة قبل أن يركنها إلى جانب الطريق.
ترجل منها في هدوء، وعبر إلى الرصيف المقابل، ثم سار بخطوات ثابتة نحوها. كانت منشغلة بالنظر خلفها، فلم تنتبه لوجوده حتى اصطدمت بصدره الصلب، وكأنها ارتطمت بجدار.
شهقت بفزع، وتراجعت خطوة إلى الخلف، واضعةً يدها على صدرها وهي تحاول التقاط أنفاسها.
ثم قالت بعينين امتلأتا بالبراءة والخوف
إنت... إنت مش تاخد بالك؟
ظل ينظر إليها في صمت، يتأمل ملامحها المرتبكة وهي تحتضن حقيبتها إلى صدرها بكلتا يديها، وكأنها تتمسك بآخر ما تملكه من أمان.
وحين طال صمته، لوحت بكفها أمام وجهه وهي تقول باستغراب
إنت مش بتشوف يا حرام؟
لم يبدُ عليه أي رد فعل، بينما هي تنهدت في نفاد صبر طفولي، ثم مسحت دموعها بطرف كفها وقالت بعفوية
رايح فين؟ أوصلك؟
ظل يحدق بها للحظات، وقد ازداد اندهاشه من طريقتها الغريبة في الحديث، قبل أن يجيب أخيرًا بصوت هادئ
إنتِ ماشية بتتلفتي حوالين نفسك كده ليه؟
شهقت، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة وقالت بارتياح مفاجئ
إيه ده! إنت بتشوف؟ ده إنت خضتني.
لكن تلك الابتسامة لم تدم سوى لحظة، إذ عادت ملامحها لتنكمش من جديد، وتسرب الخوف إلى عينيها مرة أخرى.
قالت بصوت خافت، يكاد يختنق من التوتر
بعد إذنك... متعرفش أخرج على الطريق إزاي؟
ألقى عليها نظرة متفحصة من رأسها حتى أخمص قدميها.
كان الحذاء الرياضي الذي ترتديه مفكوك الرباط، وبنطالها الجينز يبدو قديمًا، أما قميصها الأسود فقد بهت لونه من كثرة الاستخدام وأشعة الشمس.
رفع عينيه إليها مجددًا وقال بصوت غليظ
وإنتِ إيه اللي جابك هنا؟
ارتبكت من نبرة صوته، فتراجعت خطوة إلى الخلف وهي تقول بسرعة
خلاص... شكرًا، مش عايزة
استدارت لتغادر، لكنه أمسك بمعصمها قبل أن تبتعد.
التفتت إليه بفزع، بينما قال بنبرة حادة وهو يثبت عينيه عليها
بت إنتِ... الشارع اللي إنتِ خارجة منه ده كله ظباط ولواءات. فإنتِ عاملة مصيبة وبتِهربي... ولا حكايتك إيه؟
وقبل أن تنطق بحرف واحد، دوّى صوت رجال يقترب بسرعة من آخر الشارع.
أهي! البت أهي!
التفتت في اتجاه الصوت، فشحب وجهها في لحظة، واتسعت عيناها بذعر، ثم رفعت نظرها إلى أدهم تستنجد به في صمت، وقد تجمدت الكلمات على شفتيها.
لم يكن يعلم ما الذي دفعه إلى ذلك.
ربما كانت نظرة الخوف الصادقة في عينيها، أو دموعها التي لم تتوقف منذ رآها، أو ذلك الإحساس الغريب الذي أخبره أنها لا تبدو كمن ارتكب جريمة.
دون أن يفكر، أمسك بكف يدها، وانطلق بها بين الأشجار الكثيفة الممتدة على جانب الطريق، مبتعدًا عن أنظار الرجال. ظل يسير بخطوات سريعة حتى خرجا إلى شارع آخر أكثر إنارة، ثم اتجه مباشرة إلى العمارة التي يسكن بها.
ما إن اقتربا من المدخل حتى رفع البواب رأسه، وقد ارتسمت الدهشة على وجهه وهو يرى أدهم يركض ممسكًا بيد فتاة لا يعرفها.
قال أدهم بنبرة آمرة وهو يواصل السير
افتح الأسانسير بسرعة يا رضا.
هز رضا رأسه دون سؤال، وضغط زر المصعد على الفور.
ما إن فُتح الباب حتى دفعها برفق إلى الداخل، ثم دخل خلفها.
أُغلق الباب، وبدأ المصعد في الصعود.
ساد صمت ثقيل.
كانت تقف في أحد الأركان، تتنفس بصعوبة، ودموعها تنهمر بلا توقف، وجسدها كله يرتجف من شدة التوتر والخوف.
أما هو... فلم ينتبه إلا بعد لحظات أنه ما زال ممسكًا بكف يدها.
أنزل بصره إلى يده، ثم إليها، وكأن الأمر فاجأه هو الآخر.
أفلت يدها سريعًا، وتراجع خطوة إلى الخلف، تاركًا بينهما مسافة، بينما أشاح بنظره عنها في شيء من الحرج.
توقفت المصعد أمام الطابق المطلوب.
خرج أولًا، ثم وقف أمام باب شقته، وأخرج المفتاح من جيبه.
ما إن رأته يضع المفتاح في الباب حتى اتسعت عيناها، وتراجعت خطوة إلى الخلف وهي تقول بحدة امتزجت بالخوف
إنت مجنون؟ إنت عايزني أدخل معاك شقتك؟
رمقها بنظرة سريعة لم تستمر سوى ثانية، ثم أعاد نظره إلى الباب، وأدخل المفتاح في القفل وفتحه، قبل أن يدخل إلى الداخل دون أن يلتفت إليها.
ظلت هي واقفة خارج الشقة، مترددة، تنظر إلى الباب المفتوح ثم إلى الممر الخالي، لا تعرف ماذا تفعل.
ولم تمضِ سوى لحظات، حتى خرجت امرأة في أواخر الخمسينيات من داخل الشقة.
كانت ملامحها هادئة يغلب عليها الوقار، وما إن وقع بصرها على الفتاة الواقفة في الخارج، بوجهها الشاحب وعينيها الحمراوين من كثرة البكاء، حتى ارتسمت الدهشة على ملامحها، قبل أن تتحول سريعًا إلى قلق وشفقة...بقلمي بيري النجار