جريمة في عمارة 6 الفصل العاشر
جريمة في عمارة 6 الفصل العاشر للكاتبة بيري النجار
الفصل العاشر
ما إن أوقف السيارة أسفل العمارة، حتى التفت إليها. كانت تنظر أمامها في صمت، وقد غلبها الخجل، بينما اتجهت عيناه نحو مدخل العمارة تلقائيًا. وفي اللحظة التالية، التقط حركةً مريبة بين الظلال، ثم وصل إلى أذنه الصوت الذي يعرفه جيدًا... صوت تجهيز أجزاء مسدس.
تبدلت ملامحه في لحظة، وقال بصوت امتزج فيه الحنان بالخوف
غاليه... انتي ماينفعش تنزلي.
التفتت إليه باستغراب وقالت
ليه؟
مد يده اليمني يمسك يدها برفق، محاولًا أن يبعث الطمأنينة في قلبها رغم توتره، وقال بهدوء
مش عايزك تخافي... بس هما بعتوا حد يقتلك تقريبًا.
ولم يمنحها فرصةً لاستيعاب ما قاله، إذ أدار محرك السيارة بعنف، وانطلق بها بأقصى سرعة مبتعدًا عن المكان.
بقلمي بيري النجار
وفي تلك اللحظة، كان عاصم عائدًا إلى العمارة. وما إن اقترب حتى لمح غالية تجلس في المقعد المجاور لرجلٍ لم يتمكن من تمييز هويته. عقد حاجبيه في حيرة، لكنه لم يلبث أن لمح عدة رجال يندفعون إلى سياراتهم وينطلقون خلف السيارة التي تقلها.
اتسعت عيناه، وقفز إلى سيارته في لمح البصر. أخرج مسدسه من درج التابلوه، وثبّت أجزائه بحركةٍ احترافية سريعة، ثم أخرج هاتفه واتصل بالباشا، واضعًا المكالمة على مكبر الصوت، قبل أن يهتف بغضب
فيه إيه يا باشا؟
جاءه صوت الباشا هادئًا على غير المتوقع
في إيه يا عاصم؟
ضرب عاصم المقود بقبضته وهو يقول بعصبية
إنت باعت ناس تنفذ غيري؟
أجابه الباشا بثقة
مابعتش حد يا عاصم... ولو هبعت، كنت كلفتك ليه؟
قال عاصم بنفاد صبر وهو يراقب السيارات أمامه
أومال اللي بيحصل ده إيه؟ في رجالة معرفهاش بتجري ورا العربية اللي فيها غاليه.
ساد الصمت لثانية، قبل أن يقول الباشا بنبرة متحفزة
يبقى رجالة المحمدي يا عاصم... ماينفعش يوصلوا لحاجة قبلنا. ماينفعش... سامعني؟
اشتدت قبضتا عاصم على المقود، وقال بثقة أشعلها غضبه
متقلقش... مافيش حاجة الجوكر عايزها يقدر حد ياخدها منه.
أنهى المكالمة دون انتظار رد.
وفي اللحظة التالية، اتسعت عيناه وهو يرى الرجال يفتحون النيران على السيارة التي تستقلها غالية، لتتحول المطاردة في ثوانٍ إلى معركة حقيقية على الطريق.
قبل أن يقتربوا أكثر، أخرج عاصم مسدسه بيده اليسرى، وخفض زجاج النافذة قليلًا، ثم ثبت نظره على السيارة المطاردة. ومع أول فرصة سنحت له، أطلق عدة طلقات متتالية نحو عجلاتها.
بقلمي بيري النجار
أما داخل سيارة غالية، فقد كان الخوف قد بلغ منها مبلغًا جعلها تصرخ دون وعي، بينما كانت أنفاسها تتسارع ويداها ترتجفان.
هتف سليمان بصوته الجهوري
انزلي تحت يا غاليه... انزلي في الدواسه.
انحنت غالية بسرعة وهي ترتجف، فمد يده اليمنى يساعدها على الاختباء أسفل التابلوه، واضعًا كفه فوق رأسها يحميها حتى لا تصطدم بأي شيء.
ثم قال بحزمٍ لا يقبل النقاش
لو إيه اللي حصل... متتحركيش من مكانك، سامعه؟
هزت رأسها سريعًا وهي تمسح دموعها بعشوائية، ثم رفعت إليه نظرة ممتلئة بالخوف.
ربت على خدها الأيسر برفق، في محاولةٍ سريعة لطمأنتها، قبل أن يعيد تركيزه إلى الطريق.
وبحركةٍ سريعة، أخرج مسدسه.
شهقت غالية من مكانها وقالت بذهول
إنت معاك مسدس؟
اكتفى بنظرةٍ خاطفة نحوها، دون أن يجيب.
أمسك السلاح بيده اليسرى، ووجهه إلى الخلف عبر النافذة، ثم بدأ يطلق النار بدقةٍ لافتة على السيارات التي تطاردهما.
لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى اخترقت الرصاصات عجلات إحدى السيارات، فانحرفت بعنف عن مسارها، واصطدمت بالأخرى التي خلفها، لتضطر باقي السيارات إلى التراجع والابتعاد عن سيارة غالية.
أطلق سليمان زفرةً طويلة، لكنه لم يهدئ سرعته إلا بعد أن ابتعد عنهم بمسافةٍ آمنة.
واصل القيادة لدقائق، ثم انحرف إلى جانب الطريق وأوقف السيارة.
أسرع بالنزول، ثم فتح الباب المجاور لغالية.
وجدها ما تزال منكمشة على نفسها، تحتضن ساقيها بذراعيها، وكتفاها يرتجفان من شدة الخوف.
جلس القرفصاء أمامها على الأسفلت، ومد يده إليها ببطء، يفك تشابك ذراعيها برفقٍ شديد، بينما راح يمسح على كفيها بحنان، وقال بصوتٍ هادئ
غاليه... خلاص، مافيش حاجه... مشيوا خلاص.
رفعت إليه وجهها، وكانت عيناها غارقتين بالدموع، وقالت بصوتٍ متقطع
هو... ليه بيحصل كده؟
ولم تستطع أن تكمل، إذ انفجرت في بكاءٍ مرير.
لم يفكر سليمان للحظة.
مال نحوها، واحتواها بين ذراعيه، ثم حملها برفقٍ من داخل السيارة، ووقف بها إلى جوارها، يضمها بقوةٍ في محاولةٍ لاحتواء ارتجاف جسدها.
بقلمي بيري النجار
كل ذلك كان يراه عاصم.
كان قد أوقف سيارته على مسافةٍ ليست بعيدة، يراقب المشهد في صمت.
لكن ما استوقفه حقًا لم يكن نجاتها...
بل ذلك العناق.
رأى سليمان يحتضنها بقوة، وكأنها احتمت بعالمه كله، حتى بدا له أنها لم تعد تلامس الأرض بين ذراعيه.
لم يعرف لماذا انقبض صدره بتلك الصورة.
كور قبضته بقوة، حتى برزت عروق يده، وجز على أسنانه وهو يتمتم ببرودٍ يخفي غضبًا لم يفهم سببه
شكلك مطلعتيش سهله زي ما كنت فاكرك يا غاليه.
وفي تلك اللحظة، رن هاتفه.
ظهرت على الشاشة كلمة الباشا.
أجاب فورًا
حصل إيه؟
قال عاصم وهو ما يزال يراقب غالية وسليمان