جريمة في عمارة 6 الفصل الثالث
جريمة في عمارة 6 الفصل الثالث الكاتبة بيري النجار
الفصل الثالث
مكان جديد لاول مره تنظر اليه عدسة كاميرا الروايه الخاصه بنا قصرٍ ضخم، تكسوه هيبة غامضة تبعث القشعريرة في الأجساد.
في صدر القاعة جلس رجل على كرسي يشبه العرش، مهيب الطلعة، وأمامه طاولة امتلأت بأوراق اللعب المبعثرة. كان يمسك كأسه ويرتشف منه بهدوء، وكأن العالم من حوله لا يعنيه.
في تلك اللحظة، دخلت فتاة ترتدي ثيابًا جريئة، واتجهت نحوه بخطوات واثقة، ثم انحنت هامسةً بشيء في أذنه. رفع عينيه إليها، لتظهر عينه اليسرى المطموسة، ثم لوّح بيده إشارةً مقتضبة، بمعنى أن تتركه وشأنه.
وبعد برهة، دخل عاصم، وتقدّم نحو الرجل، ثم انحنى وقبّل يده باحترام. فربّت الرجل على كتفه ومسح على رأسه، قبل أن يشير إليه بالجلوس على الكرسي المقابل له.
تنحنح عاصم وقال:
"يعني ينفع يا باشا اللي حصل ده؟"
ظل الرجل يحدّق في أوراق اللعب أمامه دون أن يجيبه."بقلمي بيري النجار"
فقال عاصم بشيء من الغضب:
"ينفع ان البت الرقاصه اللي بروح اقعدي عندها يومين تخلوها تغفلني و تحطلي هباب في الكام كاس اللي بشربه عندها؟"
انفرجت شفتا الرجل عن ضحكة صغيرة، ثم قال بصوت حاد وقوي وغليظ:
"عشان تبقي تتعلم يا عاصم ان لما البابا يطلب حاجه تتنفذ علي طول."
ثم أرجع ظهره إلى الخلف وأضاف:
"اعتبرها قرصه ودن من اب لابنه."
أمال عاصم رأسه إلى الجهة الأخرى، ثم عاد ينظر إليه وقال بصوت حازم:
"بص يا باشا انا يوم لما طلعوا عليا اسم الجوكر طلعه عشان انا الجوكر في شغلي.
فا انا كبير اللعبه و عارف امتي حياة الراجل دي هتخلص و ازاي.
يعني بقرصة ودن او من غيره انا اللي عارف الراجل ده تمامه امتي و ازاي.
ردّ الباشا بغضبٍ عارم، وضرب الطاولة بقبضته بعنف، فتساقطت أوراق اللعب والكأس وكل ما عليها إلى الأرض. ومع ذلك، ظلّ عاصم جالسًا في مكانه، ثابت الملامح، هادئ النظرات، وكأن شيئًا لم يحدث.
نظر إليه الرجل بغضب وقال:
"اوعي تنسي نفسك يا عاصم انت كنت ولا حاجه انا اللي لاميتك من الشوارع و الاقسام انت من غيري كان زمانك في دار ايتام وكله كان هيقولك يا ابن الحرام."
نهض عاصم بهدوء، ثم عدّل سترته الجلدية ببطء، قبل أن يرفع عينيه إليه ويقول بحزم:
"اديك قولت كنت و حط تحت كنت دي مليييييون خط لان اللي قدامك ده مش العيل الصغير اللي كان بيخاف من البرد ولا اللي كان بيخاف ان حد يضربه.
وبرضه ياباشا انا جوكر اللعبه وانا اللي اقول الدكتور خلف ده هيموت امتي و ازاي."
ظل الرجل يحدّق فيه لثوانٍ طويلة، ثم قال بنبرةٍ أكثر هدوءًا:
"تمام يا عاصم."
أومأ عاصم برأسه وقال بهدوء:
"بعد اذنك يا باشا."
لوّح له الباشا بيده إشارةً بالانصراف، فاستدار عاصم وغادر المكان بخطواتٍ ثابتة.
بقلمي بيري النجار"
في الجهة الأخرى، كانت غالية تقف داخل الجامعة أمام أحد أجهزة الرصد، تحدّق عبر عدسته وهي تراجع بعض الأبحاث والبيانات باهتمامٍ شديد.
دخل شاب إلى القاعة، ثم وقف إلى جوارها بصمت، لكنها كانت مندمجةً فيما تفعله إلى درجة أنها لم تنتبه لوجوده من الأساس.
وبعد لحظات، انحنى قليلًا وقال بصوتٍ منخفض بالقرب من أذنها:
"يمين شويه بس يا دكتوره."
شهقت غالية بفزعٍ وابتعدت خطوة إلى الخلف، واضعةً يدها على صدرها، ثم قالت باستنكار:
"هي في ايه يا استاذ دي طريقها برضه حد يكلم بيها حد."
بدت عليه علامات الارتباك، فقال معتذرًا:
"انا حقيقي اسف مقصدتش اخضك خالص بس لاحظت اني في حاجه غلط عندك وحبيت اساعدك مش اكتر."
ضمت شفتيها في ضيقٍ وقالت:
"خلاص مافيش حاجه."
ابتسم ابتسامةً خفيفة، ثم مدّ يده إليها قائلًا:
"انا الدكتور سليمان تخصص ميكرو كولوجي."
بادلتْه المصافحة وقالت:
"دكتوره غاليه تخصص ميكور بيولوجي."
اتسعت ابتسامته وقال:
"اهلا وسهلا اتشرفت بيكي واسف مره تاتيه."
هزّت رأسها نفيًا وقالت:
"ولا اسف ولا حاجه محصلش حاجه."
قبل أن يغادر، رمقها بابتسامة خفيفة وقال:
بس من الواضح إن حضرتك جديدة هنا... أول مرة أشوفك.
بادلته ابتسامة صغيرة، ثم قالت بهدوء:
آه فعلًا، لسه جاية من القاهرة، وقلت أكمل الرسالة بتاعتي هنا أحسن.