غرام المغرور الفصل العشرون
غرام المغرور الفصل العشرون نسمة مالك
البارت العشرون
غرام المغرور..
✍️نسمه مالك✍️..
حين يصاب القلب بمشاعر الإعجاب مع مرور الوقت تتطور هذه المشاعر للحب بل للعشق.. عندها يصبح المحب شاعراً يقول أحلى كلمات الغزل، وأرقها، وهي من أجمل الحالات التي يمر بها أيّ إنسان..
خاصةً إذا كانت كلمات صادقة، ومعبرة، وعميقة نابعة من قلب "فارس" الذي تعلق كثيراً بساحرته الجميلة.. "إسراء"..
همسات "فارس" جعلتها تشعر بالخجل، ولكنها حاولت إظهار اللامبالاة على ملامحها التي أصبحت شديدة الاحمرار من شدة خجلها..
تأملها بأعين منبهرة بحيائها، بينما كانت تحاول أن تخفي تأثرها بكلماته..
"اتكلم يا فارس.. أنا عايزه أسمعك"..
قالتها "إسراء" بهمسها الرقيق الذي شجعه على استكمال حديثه..
ضغط "فارس" على يدها برفق، وأخذ نفساً عميقاً وتحدث بنبرة يملؤها الأسى..
"والدي، ووالدتي منفصلين عن بعض من سنين طويلة.. من بعد ما اتولدت على طول، والاتنين عايشين بره مصر، وبعتوني لخديجة وأنا عندي أسبوع واحد"..
اعتدل بجلسته مستنداً بظهره على الأريكة، ونظر إليها بابتسامة حزينة، بينما كانت نظراتها تمنحه بعض الراحة وسط ألمه..
بادلته هي النظرة باهتمام، تحثه على استكمال حديثه..
"لما كبرت، وبدأت أفهم وأسأل فين أبويا وأمي وأدور عليهم، وليه سبوني لعمتي تربيني وهما عايشين.. سافرت لوالدي علشان يجاوبني على كل الأسئلة اللي هتجنني دي"..
صمت لبرهة يلتقط أنفاسه وتابع بأسف..
"قابلت والدي لأول مرة وأنا عندي 25 سنة، ومشوفتوش تاني من وقتها وأنا دلوقتي بقيت 33 سنة.. تخيلي!!"..
امتلأت أعين "إسراء" بالعبرات مرة أخرى، وهمست بذهول..
"شوفت باباك في عمرك كله مرة واحدة بس؟!"..
حرك رأسه لها بالإجابة، وأطبق جفنيه حين داهمته ذكرى تلك المرة..
فلاش باااااااااااك..
بإحدى مدن فرنسا..
بمنزل يظهر عليه الثراء الفاحش..
دخل "فارس" بسيارة خاصة من أحدث الموديلات داخل حديقة المنزل..
ترجل من السيارة، وسار لداخل المنزل بخطوات مسرعة، ظناً منه أن والده الذي سيلتقي به لأول مرة سيقابله باهتمام وحب أبوي لنجله الوحيد الذي لم يره منذ سنوات..
"أين أبي؟!"..
أردف بها لإحدى العاملات بالمنزل التي سارت برفقته وهي تقول باحترام..
"تفضل سيد محمد ينتظرك بمكتبه"..
سار معها نحو غرفة المكتب، وفور دخوله بحث بعينيه عنه بشوق.. لينذهل حين وجده يجلس على كرسي مكتبه دون أن يتحرك من مكانه..
"مرحباً فارس.. تفضل بالجلوس"..
قالها "محمد"، وهو يشير بيده لإحدى المقعدين الموضوعين أمام مكتبه..
انهارت كل آماله في تلك اللحظة.. جمود والده أصابه بخيبة أمل كبيرة.. أخفى حزنه، ورسم ابتسامة زائفة، واقترب من المقعد وجلس عليه، وهو يقول..
"السنين اللي قضتها هنا خليتك تنسى لغتك الأصلية زي ما نسيت إن ليك ابن؟!"..
"وأنا لو كنت نسيت إنك ابني زي ما بتقول كنت كتبتلك كل أملاكي"..
قالها "محمد" وهو يفتح خزنته الخاصة، وأخرج منها بعض الأوراق ووضعها أمامه..
ضحك "فارس" ضحكة قصيرة يخفي بها صدمته الشديدة، ومدمدماً بنبرة ساخرة..
"بقى أنا أسافرلك من بلد لبلد علشان أشوفك و؟!"..
صمت لحظة، ثم تابع بحسرة..
"وأنت بتديني فلوس.. اممم.. اعتبر دا تعويض عن غيابك عني طول السنين اللي فاتت؟"..
أجابه "محمد" إجابة كانت قاسية عليه حين قال بصوت غاضب..
"الفلوس اللي مش عجباك دي أنا اشتريت حياتك بيها بعد ما أمك كانت مصرة إنها تنزلك وهي حامل فيك"..
ضرب على المكتب بكف يده بقوة، وبدأ يفقد السيطرة على أعصابه من شدة غضبه مكملاً..
"أمك اللي رسمت عليا الحب لحد ما عشقتها، ومرضتش أتقرب منها إلا لما اتجوزتها وخلتها هانم، وفي الآخر تطلع متجوزاني علشان تتمتع بفلوسي، ومش عايزه تخلف مني، وخدت مليون دولار علشان تسيبك عايش، وأول ما ولدتك رمتك ليا وأطلقت مني، وجت من كام شهر عايزه ترجعلي بعد ما فلوسها خلصت.. قولتلها موافق بس أنا كتبت كل أملاكي باسم ابنك.. سابتني تاني، ومشيت فكراني هرجع في كلامي وأديها مليم واحد تاني من فلوسي"..
يستمع "فارس" له بملامح هادئة، ولكنها أثارت قلق والده.. يعلم أن حديثه كان شديد القسوة.. نظر له نظرة خالية من المشاعر، وبصوت يملؤه القهر والحسرة تحدث قائلاً..
"خدت هي الفلوس تعيش بيها حياتها، وأنت رمتني لأختك في مصر تربيني، وعشت حياتك هنا، وأنا بقيت يتيم في حياتكم"..
أنهى جملته، وسار لخارج المكتب.. بل لخارج المنزل بأكمله..
نهاية الفلاش باااااااك..
"عايزة تموتني يا إسراء علشان تورثني.. مع إني ببعتلها كل شهر مبلغ كبير يكفيها وزيادة"..
قالها "فارس" بابتسامة زائفة..
نظرت إليه "إسراء" بحزن، وأمسكت يده محاولة أن تمنحه بعض الدعم..
"تعرفي إني أول مرة أشوف أمي لما جت من السفر، ورغم كل اللي عملته فيا دا إلا إني مقدرتش أمنع فرحتي برجوعها"..
حاولت "إسراء" السيطرة على حدة بكائها، فحديثه اعتصر قلبها بقوة، وتحدثت بخوف ظهر على محياها..
"طيب أنت عرفت إزاي إنها ورا اللي حصلك، وناوي تعمل معاها إيه؟!"..
"فارس".. "رجالتي فضلوا ورا سيد شعلان لحد ما اعترف بكل حاجة، ولو على اللي هعمله فيها؟!"..
اشتعلت عينيه بالغضب، لكنه صمت لحظة وكأنه يحاول السيطرة على نفسه، ثم قال..
"أنا كنت ممكن أخليها تدفع تمن اللي عملته، بس مش عايز أضيع الباقي من عمري في الانتقام"..
شهقت "إسراء" بقلق، وأجهشت بالبكاء، وتحدثت بتعقل وهي تحاول تهدئة غضبه..
"استهدي بالله يا فارس، واستغفر ربك، وافتكر إنها مهما عملت هتفضل أمك، ولو أذيتها صدقني هتندم طول عمرك، ومش هتقدر تسامح نفسك أبداً"..
نظر لها قليلاً.. نظرة إنسان وجد أخيراً من يستمع إليه ويفهم ألمه..
ثم قال بصوت متعب..
"لو مكنتيش في حياتي.. صدقيني كنت ممكن أخسر نفسي أكتر.. لكن دلوقتي أنا مستعد أديها كل ما أملك بس تسبني أعيش اللي باقي من عمري من غير وجع ولا مشاكل"..
نظرت إليه "إسراء" بصمت، بينما تابع هو حديثه بنبرة مليئة بالمشاعر..
"أحببتك حباً لو تحول إلى ماء لأغرق العالم بأسره.. أحتفظ بكِ لأنك أثمن أشيائي.. فكيف لا أحبك أكثر من نفسي وكل نبضة من نبضات قلبي تخفق باسمك.. أحبك بعدد أنفاسي وأنفاسك وأنفاسهم جميعاً"..
أغلقت عينيها للحظة متأثرة بكلماته، ثم فتحتها سريعاً وهي تحاول استعادة هدوئها..
ابتسم "فارس" عندما لاحظ تأثرها، وقال محاولاً تغيير الموضوع..
"ليه بتفضلي لابسة فستانك الأسود دا حتى وأنتي نايمة.. أنا جيبلك بيجامات، وقمصان نوم متأكد إنها هتليق عليكي"..
ابتسمت "إسراء" بخجل، ثم قالت وهي تحاول إنهاء الحديث..
"فارس.. كفاية كلام بقى"..
ضحك بخفة، لكن تعبير وجهه تغير فجأة، وتصلب جسده كمن تعرض لصاعقة قوية، وعاد غروره للظهور مرة أخرى، ولكن هذه المرة كان مضاعفاً..
حين سمعها تتأوه بحسرة وهي تردد..
"رامي.. واحشتيني"..