الفصل السادس غرام المغرور .
الفصل السادس من رواية غرام المغرور بقلم الكاتبة نسمة مالك
أشرقت شمس صباح يوم جديد..
"فارس"..
لم يغمض له جفن.. ظل طيلة الليل بغرفة الرياضة المتواجدة داخل الجناح الخاص به.. يفكر فيما يحدث له، وظهور تلك الساحرة بحياته التي تجعل ابتسامته تظهر على محياه الصارمة كلما تذكر نظرة عينيها الحزينة.. ابتسامتها الزائفة.. ملامحها الملائكية التي تروقه كثيراً..
توقف عن حمل الأوزان الثقيلة، رياضته المفضلة، وأمسك منشفة قطنية يجفف بها عرقه، وسار نحو الخارج بخطوات مهرولة حين رأى إحدى الممرضات عبر شاشة عرض كبيرة تظهر كل شبر داخل وخارج قصره..
كانت الممرضة تسير نحو غرفة "إسراء"، وبجوارها إحدى العاملات بالقصر تقوم بسحب عربة صغيرة موضوع عليها الطعام..
"إيه أخبار إسراء هانم دلوقتي؟!"
قالها "فارس" بصوته الصارم، فأجابته الممرضة بعملية قائلة:
"الحمد لله يا فارس باشا.. الحرارة بدأت تهدى شوية.. بس الهانم رايحة في سابع نومة. حاولنا كذا مرة نصحيها، ومش عارفين، ووالدتها طلبت نسيبها وهي هتصحيها، بس للأسف نامت جنبها.. ولازم الهانم تصحى علشان تاكل، وتاخد باقي علاجها."
"أنا هصحيها."
قالها "فارس" وهو يسير نحو الغرفة، وفتح الباب وخطى للداخل دون أدنى استئذان..
كانت "إلهام" تجلس بجوار "إسراء" بعدما أصرت أن تظل بجانبها، رغم إلحاح "خديجة" عليها حتى تستريح بغرفة بجوار غرفتها، وتترك الطبيبة والممرضات برفقة "إسراء"..
غلبها النعاس بعد ساعات طويلة من البكاء الشديد حين رأت مدى تعب وضعف وحيدتها.. فنامت بثيابها وحجابها وهي جالسة..
صوت أنين هامس جعلها تفتح عينيها بفزع، وشهقت بصوت خفيض عندما وجدت "فارس" يحاول إيقاظ "إسراء" الغارقة في النوم أثر دوائها، بينما يسندها من كتفها حتى تتمكن من الجلوس.
جحظت أعين "إلهام" من فعلته، وأصابها الصمت للحظات..
انتبه "فارس" لها، فنظر نحوها قائلاً:
"صباح الخير يا مدام إلهام."
"خير إيه يا بيه؟!"
أردفت بها "إلهام" بذهول وهي تتأمله بدهشة، ثم أسرعت بالاقتراب من ابنتها وإسنادها بنفسها.
"حصلت تدخل عليا أنا وبنتي وإحنا نايمين؟!.. أنا عارفة إننا في بيتك، بس اللي بتعمله ده مينفعش يا بيه.. واتقي الله، وسيب بنتي."
"اهدي يا مدام إلهام.. أنا كنت بحاول أصحيها علشان تاكل وتاخد علاجها."
قالها "فارس" بلهفة، ثم ابتعد عنها وأشار إلى الطعام الموضوع على الطاولة.
لتبعد "إلهام" يدها عن ابنتها بحذر، وتعيد ترتيبها على الفراش، ثم تمتمت بغضب:
"يا بيه اختشي على دمك وسيب البت في حالها.."
أكملت في سرها:
"وأنا اللي فكرتك محترم."
لم تعطه فرصة للرد، ونظرت للممرضة الواقفة تتابع ما يحدث بنظرات منذهلة، وتابعت بأمر:
"إنتِ يا اللي واقفة تتفرجي.. شيلي السلك اللي في إيد بنتي ده أوام."
انصاعت الممرضة لها في الحال لتتفادى الأذى ليد "إسراء"، لتتمكن "إلهام" من الاطمئنان عليها بعدما ابتعد "فارس" عنها.
هب واقفاً وتحدث ببرود قائلاً:
"ليه كل عصبيتك دي يا مدام إلهام؟!.. أنا طلبت إيد إسراء للجواز، يعني هي بقت في مقام خطيبتي."
عدلت "إلهام" وضع "إسراء" على الفراش، ودثرتها بالغطاء جيداً، حتى قامت برفعه قليلاً حولها لتحافظ على دفئها.
ليرفع "فارس" حاجبيه وهو يقول بلهفة فشل في إخفائها:
"خلي وشها مكشوف علشان نفسها."
تنهدت "إلهام" وتحدثت بتعقل قائلة:
"بنتي مش خطبتك لسه يا بيه، وحتى لو بقت خطيبتك، مينفعش تدخل عليها وهي نايمة بالشكل ده.. لأنها لسه مش حلالك، ومظنش إنها هتكون.. إسراء مستحيل توافق عليك يا ابني.. فمتعشمش نفسك بحاجة مش هتحصل."
صك "فارس" على أسنانه وهو يقول بغرور:
"بنتك مش هتكون غير مرات فارس الدمنهوري.. يعني ملهاش حرية ترفض."
أنهى جملته، وسار لخارج الغرفة بخطوات غاضبة.. تاركاً "إلهام" تنظر لأثره بخوف شديد من نبرة التهديد التي تملأ صوته.
ازدردت لعابها بصعوبة، وأسرعت بإبعاد الغطاء عن وجه ابنتها، وحدثتها برجاء قائلة:
"إسراء فوقي يا ضنايا خلينا نروح بيتنا.. أنا عارفة إنك تعبانة أوي.. بس قومي يا بنتي عشان نمشي من هنا الله لا يسيئك، ولما نروح هسيبك تنامي زي ما إنتِ عايزة."
خبطت على وجنتيها برفق مكملة بصوت تحشرج بالبكاء:
"يا بنتي قومي متوجعيش قلبي."
"آه يا ماما.. مش قادرة."
همست بها "إسراء" بضعف شديد دون أن تفتح عينيها، تأوهت بقوة أكبر وبدأت تفتح عينيها ببطء متمتمة بوهن:
"بنتي فين؟"
فتحت عيونها أخيراً ونظرت حولها باستغراب، مكملة بتساؤل:
"إحنا فين يا ماما؟!