غرام المغرور الفصل الاول
غرام المغرور الفصل الاول نسمه مالك
كانت تجلس على جانب الطريق أمام مقر عمل زوجها، كعادتها في الآونة الأخيرة، وعيناها تنهمران بالدموع بلا توقف.
بين ليلة وضحاها، انقلبت حياتها رأسًا على عقب...
توفي زوجها الحبيب بعد زواج لم يستمر سوى ثلاث سنوات، لتجد نفسها أرملة وهي لم تُتم عامها الثاني والعشرين بعد.
تدهورت أحوالها إلى حدٍّ لا يُحتمل، حتى اضطرت إلى ترك شقتها الصغيرة التي كانت تجمعها بزوجها، بعدما باعت أثاثها بالكامل حتى تتمكن من توفير أبسط احتياجات صغيرتها التي لم تتجاوز العام والنصف.
انتقلت للعيش برفقة والدتها، التي كان زوجها ينفق عليها من الأساس لضيق حالهما، فقد كانتا تنتميان إلى أسرة محدودة الدخل، وكان زوجها العائل الوحيد لهما، رغم أنه لم يكن سوى عامل بسيط في إحدى الشركات الضخمة.
سعت كثيرًا وراء أوراق التأمين الخاصة بزوجها، لعلها تحصل على راتب شهري، ولو كان قليلًا، يعينها على متطلبات الحياة.
لكن سعيها ذهب هباءً.
فما أصعب الإجراءات القانونية، خاصة حين يتعلق الأمر بمواطن فقير لا يملك من الوساطة سوى دعائه وثقته بالله!
أُغلقت جميع الأبواب في وجهها، وتراكمت الديون عليها، حتى بدأت تفقد السيطرة على أفعالها وهي ترى الجوع والمرض ينهشان والدتها، بينما صغيرتها لا تكف عن البكاء من شدة الجوع.
لذلك حسمت أمرها اليوم...
لن تعود إلى منزلها قبل أن تصل إلى صاحب تلك الشركة، لعلّه يساعدها في الحصول على حق زوجها.
رفعت يدها ومسحت دموعها بعنف، ثم هبّت واقفة حين رأت سربًا من السيارات الفارهة يقترب من بوابة الشركة، معلنًا عن وصول مالكها.
ترجل عدد من رجال الحراسة الخاصة من السيارات، وأسرع أحدهم بفتح باب سيارة بيضاء فاخرة من أحدث الطرازات العالمية.
لم تفكر مرتين.
وبلمح البصر، اندفعت راكضة نحو السيارة وهي تصرخ باسمه للمرة الأولى:
— «فاااارس بيه!»
تأهب جميع الحرس فورًا، ووجّهوا أسلحتهم نحوها، لكنها لم تعبأ بهم، وأكملت طريقها وهي تدفع كل من حاول إيقافها.
كان فارس على وشك الترجل من سيارته، لكنه تجمد في مكانه حين اخترق صراخها أذنيه.
خلع نظارته الشمسية ببطء، لتظهر عيناه الجريئتان، ثم نظر نحوها بنظرات حادة متفحصة.
كانت تركض بكل سرعتها، تدفع أيدي رجال الحراسة الذين حاولوا منعها، بينما ظل هو يراقب ما يحدث بهدوء، وقد ارتسمت على ملامحه علامات الدهشة من هجوم تلك المجنونة التي لم يرَ وجهها بوضوح حتى الآن.
صرخت وهي تلوّح بحقيبتها في وجه كل من يحاول الاقتراب منها:
— «سبوني! أنا ليا حق عند صاحب الشركة دي... وعايزة حقي!»
قطّب فارس حاجبيه، ثم قال ببرود:
— «اضربها طلقة تخليها تجري من هنا... بس خف إيدك.»
امتثل الحارس لأمره فورًا، ووجّه سلاحه نحوها وأطلق طلقة تحذيرية بالقرب منها.
شهقت بألم وذهول حين أصابت الطلقة جانب ذراعها، تاركة جرحًا مؤلمًا بدأ ينزف.
سقطت حقيبتها من يدها، وشحب وجهها بشدة.
توقفت عن الحركة للحظات، وقد شعرت بانقطاع أنفاسها ودوار شديد يجتاحها بلا رحمة، خاصةً أنها لم تتناول طعامًا منذ أكثر من يومين.
أطبقت جفنيها بوهن، وانحدرت دمعة حارقة فوق وجنتها، بينما همست باسم صغيرتها، تلك التي أصر والدها على تسميتها باسمها من شدة عشقه لها:
— «إسراء...»
لكنها سرعان ما استجمعت ما تبقى لديها من قوة لأجلها.
فتحت عينيها من جديد، وقد اشتعل الغضب داخلهما، ثم رفعت نظرها باتجاه سيارة فارس.
كان قد ترجل منها، ووقف يتابعها ببرود لا يخلو من غروره المعتاد، ظانًّا أنها ستفر هاربة بعدما حدث لها.
لكنه رفع حاجبيه بدهشة حين رآها تتجه نحوه بخطوات متثاقلة.
كان جسدها يتهاوى يمينًا ويسارًا، لكنها كانت تقاوم بكل ما أوتيت من قوة حتى تصل إليه.
كلما اقتربت منه، ازدادت دهشته.
راح يتأمل ملامحها التي ظهرت أمامه للمرة الأولى، فبدت له جميلة بصورة لافتة رغم الإرهاق الذي غطّى وجهها.
همّ أحد الحرس بإيقافها، إلا أن فارس أشار إليه بيده أن يتركها.
ظل يتابعها وهي تقترب منه ببطء، حتى توقفت فجأة قبل أن تصل إليه.
تملّكها الدوار، وزاد ألم ذراعها، فأطلقت تأوهًا خافتًا، قبل أن يخونها جسدها تمامًا، ويستسلم للإغماء.
ظل فارس واقفًا في مكانه لثوانٍ، يراقبها ببرود، محاولًا إقناع نفسه بأنه لن يهتم لأمرها كما لم يهتم يومًا لأمر أحد.
لكن شيئًا ما بداخله خذله.
فلم يشعر بقدميه وهما تقطعان المسافة الفاصلة بينهما في خطوتين سريعتين، قبل أن يلتقطها بين ذراعيه ويمنع سقوطها على الأرض.
استقرت رأسها فوق صدره، وفتحت عينيها للحظات، لتنظر إليه نظرة أربكت شيئًا لم يعتد فارس أن يشعر به.
توقفت عيناه عند ملامحها الشاحبة، ثم عند عينيها اللتين كانتا تحملان مزيجًا غريبًا من الألم والخوف والإصرار.
حاولت الحديث، لكن لسانها لم يسعفها سوى بكلمة واحدة، خرجت من بين شفتيها بوهن:
— «إسراء...»
وصل همسها إلى مسامعه.
ولسبب لم يفهمه، ظن أن «إسراء» هو اسمها.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية ساخرة، ثم قال:
— «إيه اللي رماكي في طريقي يا... إسراء؟»
ثم انحنى قليلًا، وحملها بحذر بين ذراعيه، قبل أن يتجه بها إلى داخل الشركة.
وما إن دخل بها حتى تعالت همسات العاملين، وتعلقت جميع الأنظار بهما في دهشة وصدمة.
فارس...
الرجل المعروف ببروده وغروره، والذي لم يره أحد من قبل يهتم لأمر امرأة بهذا الشكل، يدخل شركته حاملًا فتاة مجهولة بين ذراعيه.
أما هو...
فلم يكن يعلم أن تلك الفتاة التي اقتحمت طريقه في ذلك الصباح، لم تكن مجرد عابرة سبيل في حياته.
بل كانت البداية الأولى لقصة ستقلب عالمه رأسًا على عقب.